ليلة عاشوراء في الحديث والأدب - الشيخ عبد الله الحسن - الصفحة ١٣٦ - ٢) البعد العبادي
فكان مما شهدته هذه الليلة العظيمة ، هو ذلك العروج الملكوتي والارتباط الروحي مع عالمَ الغيب ، وذلك حينما قام سيد شباب أهل الجنة عليهالسلام مع أصحابه بين يدي الخالق منقطعين إليه تعالىٰ بين راكع وساجدٍ ، وقارئ للقرآن ، ولهم دويٌ كدوي النحل ، فتراهم خُشعاً أبصارهم ، وقد كَستهم العبادة أنواراً إلهية ، فكان لها الأثر الكبير في تهذيب نفوسهم وشَحذ قلوبِهم وصقلها فتسلحوا بها علىٰ أعدائهم ، وحققوا بها أكبرَ انتصارٍ عرفهُ التاريخ.
يقول الشاعر :
|
ودويٌ كالنحل في صلوات |
لو أتوها على الوجود لزالا |
|
|
يَشحذون الفؤاد كي لا يهالا |
حين ترتجُّ أرضُها زلزالا |
وما أحقهم بوصف من قال :
|
لله قومٌ إذا ما الليلُ جنّهمُ |
قاموا مِنَ الفُرش للرحمٰن
عُبّادا |
|
|
ويركبون مطايا لا تملّهمُ |
إذا هُم بمنادي الصّبح قد نادى |
|
|
همُ إذا ما بياض الصبح لاح لهمْ |
قالوا من الشوق ليت الليل قد عادا |
|
|
همُ المُطيعون في الدنيا لسيّدهم |
وفي القيامة سادوا كلّ مَنْ سادا |
|
|
الأرضُ تبكي عليهم حين تفقدهم |
لأنّهم جُعلِوا للأرضِ أوتادا [١] |
وقد كان لعبادتهم أيضاً أثر كبير في نفوس آخرين ، فقد اهتدىٰ بهم ـ كما في الرواية [٢] ـ اثنان وثلاثون رجلاً من معسكر بن زياد إذ عبروا إليهم ، وقد كانوا بالقُرب من خيامِهم ، وذلك لمَّا استوقفتهم تلك الأصوات الرخيمة التي كانت تعلو
[١] سفينة البحار للقمي : ج ٥ ، ص ٤٥.
[٢] اللهوف : ص ٤١.