العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٦٩ - بحث في معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس
والتأمل العميق في جميع الاَديان والنحل يعطي أنها مشتملة نوع اشتمال على هذا الروح الحي حتى الوثنية والثنوية ، وإنما وقع الاِختلاف في تطبيق السنة الدينية على هذا الاَصل والاِصابة والخطأ فيه ، فمن قائل مثلاً أنه أقرب إلينا من حبل الوريد وهو معنا أينما كنا ليس لنا من دونه من ولي ولا شفيع ، فمن الواجب عبادته وحده من غير إشراك ، ومن قائل أن تسفل الاِنسان الاَرضي وخسة جوهره لا يدع له مخلصاً إلى الاِتصال بذاك الجناب ، وأين التراب ورب الاَرباب فمن الواجب أن نتقرب إلى بعض عباده المكرمين المتجردين عن جلباب المادة ، الطاهرين المطهرين من ألواث الطبيعة ، وهم روحانيات الكواكب ، أو أرباب الاَنواع ، أو المقربون من الاِنسان ، وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. وإذ كانوا غائبين عن حواسنا متعالين عن جهاتنا كان من الواجب أن نجسدهم بالاَنصاب والاَصنام حتى يتم بذلك أمر التقرب العبادي. وعلى هذا القياس في سائر الاَديان والملل ، فلا نجد في متونها إلا ما هو بحسب الحقيقة نحو توجيه لتوحيد الاِلَه عز اسمه.
ومن المعلوم أن السنن الدائرة بين الناس وإن انشعبت أي انشعاب واختلفت أي اختلاف شديد ، فإنها تميل إلى التوحد إذا رجعنا إلى سابق عهودها القهقرى ، وتنتهي بالآخرة إلى دين الفطرة الساذجة الاِنسانية وهو التوحيد.
فدين التوحيد أبو الاَديان وهي أبناء له صالحة أو طالحة.
ثم إن الدين الفطري إنما يعتبر أمر عرفان النفس ليتوصل به إلى السعادة الاِنسانية التي يدعو إليها ، وهي معرفة الاِلَه التي هي المطلوب الاَخير عنده. وبعبارة أخرى : الدين إنما يدعو إلى عرفان النفس دعوة طريقية لا غائية ، فإن الذوق الديني لا يرتضي الاِشتغال بأمر إلا في سبيل العبودية ، وإن الدين عند الله الاِسلام ولا يرضى لعباده الكفر ، فكيف يرضى بعرفان النفس إذا استقل بالمطلوبية.
ومن هنا يظهر أن العرفان ينتهي إلى أصل الدين الفطري إذ ليس هو بنفسه أمراً مستقلاً تدعو إليه الفطرة الاِنسانية ، حتى تنتهي فروعه وأغصانه إلى أصل واحد هو العرفان الفطري.