العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٢٢ - يكفي الدليل الاِجمالي في المعرفة
لا يصدق الدليل على المقدمات حال ترتيبها ، لاَن اللزوم لا يحصل عنده بل بعده. اللهم إلا أن يراد باللزوم اللغوى ، أي الاِستتباع.
ثم إن الذي يكفي إعتباره في تحقق الاِيمان من هذه التعاريف هو التعريف الثاني للاَصوليين لكن بعد النظر فيما يمكن التوصل به ، لا الاَول ، لاَن ما يفيد الظن بالمعارف الاَصولية غير كاف في تحقق الاِيمان على المذهب الحق.
ولا يعتبر في تحققه شيء من تعريف المنطقيين ، لاَن العلم بترتيب المقدمات وتفصيلها على الوجه المعتبر عندهم غير لازم في حصول الاِيمان ، بل اللازم من الدليل فيه ما تطمئن به النفس بحسب استعدادها ويسكن إليه القلب ، بحيث يكون ذلك ثابتاً مانعاً من تطرق الشك والشبهة إلى عقيدة المكلف ، وهذا يتفق كثيراً بملاحظة الدليل إجمالاً ، كما هو الواقع لاَكثر الناس.
أقول : يمكن أن يقال أن حصول العلم عن الدليل لا يكون إلا بعد ترتيب المقدمات على الوجه التفصيلي المعتبر في شرائط الاِستدلال ، وحصوله في النفس وإن لم يحصل الشعور بذلك الترتيب ، إذ ليس كل ما اتصفت به النفس تشعر به ، إذ العلم بالعلم غير لازم.
والحاصل أن الترتيب المذكور طبيعي لكل نفس ناطقة مركوز فيها. وهذا معنى ما قالوه من أن الشكل الاَول بديهي الاِنتاج لقربه من الطبع ، فدل على أن في الطبيعة ترتيباً مطبوعاً متى أشرفت عليه النفس حصل به العلم ، وحينئذ فالمعتبر في حصول العلم بالدليل ليس إلا ما ذكره المنطقيون. والخلاف بينهم وبين الاَصوليين ليس إلا في التسمية ، لاَنهم يطلقون الدليل على نفس المحسوس كالعالم ، وأهل المعقول لا يطلقونه إلا على نفس المعقول كالقضايا المرتبة ، مع أن حصول العلم بالفعل على الاِصطلاحين يتوقف على ترتيب القضايا المعقولة ، وما نحن فيه من هذا القبيل ، فإن حصول الاِيمان بالفعل أعني التصديق بالمعارف الاِلَهية إنمايكون بعد الترتيب المذكور.