العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢١٩ - يكفي الدليل الاِجمالي في المعرفة
التي تجري منها الاَنهار العظيمة والاَودية الوسيعة ، وربما كان فيه من البرد مثل الجبال ، كل ذلك في ساعة واحدة ثم تنقشع السماء وتبدو الكواكب وتطلع الشمس أو القمر كأن ما كان لم يكن من غير تراخ ولا زمان بعيد ، فيعلم ببديهة أنه لابد أن يكون من صح ذلك منه قادراً عليه ممكن منه ، وأنه مخالف له ولاَمثاله ، فيكون عند ذلك عارفاً بالله. وأمثال ذلك كثيرة لا نطول بذكره.
فمتى عرف الاِنسان هذه الجملة وفكر فيها هذا الفكر واعتقد هذا الاِعتقاد ، فإن مضى على ذلك ولم يشعثه خاطر ولا طرقته شبهة فهو ناج متخلص.
وأكثر من أشرتم إليه يجوز أن يكون هذه صفته ، وإن بحث عن ذلك وعن علل ذلك فطرقته شبهات وخطرت له خطرات وأدخل عليه قوم ملحدون ما حيره وبلبله فحينئذ يلزمه التفتيش ولا تكفيه هذه الجملة ، ويجب عليه أن يتكلف البحث والنظر على ما سنبينه ليسلم من ذلك ويحصل له العلم على التفصيل.
ونحن نبين ذلك في الفصل الذي يلي هذا الفصل على ما وعدنا به إنشاء الله.
فإن قيل : أصحاب الجُمَل ( بضم الجيم أي أصحاب المعرفة الاِجمالية ) على ما ذكرتم لا يمكنهم أن يعرفوا صفات الله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه منها على طريق الجملة، وإذا لم يمكنهم ذلك لم يمكنهم أن يعلموا أن أفعاله كلها حكمة ولا حسن التكليف ولا النبوات ولا الشرعيات ، لاَن معرفة هذه الاَشياء لا يمكن إلا بعد معرفة الله تعالى على طريق التفصيل.
قلنا : يمكن معرفة جميع ذلك على وجه الجملة ، لاَنه إذا علم بما قدمناه من الاَفعال ووجوب كونه قادراً عالماً ، وعلم أنه لا يجوز أن يكون قادراً بقدرة محدثة لاَنها كانت تجب أن تكون من فعله ، وقد تقرر أن المحدث لابد له من محدث ، وفاعلها يجب أن يكون قادراً أولاً ، فلولا تقدم كونه قادراً قبل ذلك لما صح منه تعالى فعل القدرة ، فيعلم أنه لم يكن قادراً بقدرة محدثة ، ولاَجله علم أنه كذلك لاَمر لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ، فيعلم أنه يجب أن يكون قادراً على جميع الاَجناس ومن كل جنس على ما لا يتناهى لفقد التخصيص.