العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٠٧ - أقل ما يجب ، وأقصى ما يمكن ، من المعرفة
الاِعتقادي وإن أنسد باب القطع به ، إلا أن باب الاِعتقاد إجمالاً ـ بما هو واقعه والاِنقياد له وتحمله ـ غير منسد ، بخلاف العمل بالجوارح فإنه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو واقعه إلا بالاِحتياط ، والمفروض عدم وجوبه شرعاً ، أو عدم جوازه عقلاً ، ولا أقرب من العمل على وفق الظن. وبالجملة : لا موجب مع إنسداد باب العلم في الاِعتقاديات لترتيب الاَعمال الجوانحية على الظن فيها ، مع إمكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها ، فلا يتحمل إلا لما هو الواقع ، ولا ينقاد إلا له ، لا لما هو مظنونه ، وهذا بخلاف العلميات ، فإنه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الاِنسداد.
نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاِعتقادات لو أمكن ، من باب وجوب المعرفة لنفسها ، كمعرفة الواجب تعالى وصفاته أداء لشكر بعض نعمائه ، ومعرفة أنبيائه ، فإنهم وسائط نعمه وآلائه ، بل وكذا معرفة الاِمام ٧ على وجه صحيح ، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك ، ولاِحتمال الضرر في تركه ، ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر ، إلا ما وجب شرعاً معرفته ، كمعرفة الاِمام ٧ على وجه آخر غير صحيح ، أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته ، وما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص ، لا من العقل ولا من النقل ، كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة.
ولا دلالة لمثل قوله تعالى : وما خلقت الجن والاِنس .. الآية ، ولا لقوله ٩ : وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس ، ولا لما دل على وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات على وجوب معرفته بالعموم ، ضرورة أن المراد من ( ليعبدون ) هو خصوص عبادة الله ومعرفته ، والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة ، فلا إطلاق فيه أصلاً ، ومثل آية النفر إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلى التفقه الواجب ، لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته كما لا يخفى ، وكذا ما دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه ، لا بصدد بيان ما يجب العلم به.