العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ١٠٩ - بحث في دور الفطرة والنبوة في الحياة الاِنسانية
بأمر وراءه ، لكن الفطرة غير كافية فإنها هي المؤدية إلى الاِختلاف فكيف ترفعه ، فوجب أن يكون بهداية من غير طريق الفطرة والطبيعة وهو التفهيم الاِلَهي غير الطبيعي المسمى بالنبوة والوحي ، وهذه الحجة مؤلفة من مقدمات مصرح بها في كتاب الله تعالى كما عرفت فيما تقدم ، وكل واحدة من هذه المقدمات تجربية بينتها التجربة للاِنسان تاريخ حياته واجتماعاته المتنوعة التي ظهرت وانقرضت في طي القرون المتراكمة الماضية إلى أقدم أعصار الحياة الاِنسانية التي يذكرها التاريخ. فلا الاِنسان انصرف في حين من أحيان حياته عن حكم الاِستخدام ولا استخدامه لم يؤد إلى الاِجتماع وقضى بحياة فردية ، ولا اجتماعه المكون خلا عن الاِختلاف ، ولا الاِختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعية ، ولا أن فطرته وعقله الذي يعده عقلاً سليماً قدرت على وضع قوانين تقطع منابت الاِختلاف وتقلع مادة الفساد.
وناهيك في ذلك ما تشاهده من جريان الحوادث الاِجتماعية وما هو نصب عينيك من انحطاط الاَخلاق وفساد عالم الاِنسانية والحروب المهلكة للحرث والنسل والمقاتل المبيدة للملايين بعد الملايين من الناس ، وسلطان التحكم ونفوذ الاِستعباد في نفوس البشر وأعراضهم وأموالهم في هذا القرن الذي يسمى عصر المدنية والرقي والثقافة والعلم ، فما ظنك بالقرون الخالية أعصار الجهل والظلمة.
وأما أن الصنع والاِيجاد يسوق كل موجود إلى كماله اللائق به فأمر جار في كل موجود بحسب التجربة والبحث ، وكذا كون الخلقة والتكوين إذا اقتضى أثراً لم يقتض خلافه بعينه أمر مسلم تثبته التجربة والبحث ، وأما أن التعليم والتربية الدينيين الصادرين من مصدر النبوة والوحي يقدران على دفع هذا الاِختلاف والفساد ، فأمر يصدقه البحث والتجربة معاً ، أما البحث فلاَن الدين يدعو إلى حقائق المعارف وفواضل الاَخلاق ومحاسن الاَفعال ، فصلاح العالم الاِنساني مفروض فيه ، وأما التجربة فالاِسلام أثبت ذلك في اليسير من الزمان الذي كان الحاكم فيه على الاِجتماع بين المسلمين هو الدين ، وأثبت ذلك بتربية أفراد من الاِنسان صلحت نفوسهم