البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣ - ١ ـ التدخّل في الدين بزيادة أو نقيصة
كَالْـُمجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[ ١ ] .
ثمّ إنّ النتيجة التي توصّلنا إليها قد توصّل إليها الشاطبي بطريقة أُخرى هذا موجزها :
«قال : الباب الثالث : في أنّ ذمّ البدع والمحدثات عام لا يخصُّ محدثة دون غيرها ـ إلى أن قال : ـ فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ ما تقدّم من الأدلّة حجّة في عموم الذمّ من أوجه :
أحدها : أنّها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة ، ولم يأت فيها ما يقتضي ، أنّ منها ما هو هدى ، ولا جاء فيها : كلّ بدعة ضلالة إلاّ كذا وكذا . ولا شيء من هذه المعاني فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها
الاستحسان ، أو أنّها لاحقة بالمشروعات ، لذكر ذلك في آية أو حديث ، لكنّه لا يُوجد ، فدلّ على أنّ تلك الأدلّة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكليّة التي لا يتخلّف عن مقتضاها فرد من الأفراد .
الثاني : أنّه قد ثبت في الأُصول أنّ كلّ قاعدة كليّة أو دليل شرعي كلّي إذا تكرّرت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أُصوليّة أو فروعية ، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص ، مع تكرّرها وإعادة تقررها ، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم ، كقوله تعالى : ( أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلاِْنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى)[ ٢ ] ، فما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعدّدة أنّ كلّ بدعة ضلالة ، وأنّ كلّ محدثة بدعة ، وما كان نحو ذلك من العبارات
الدالّة على أنّ البدع مذمومة ، ولم يأت في آية ولا حديث ، تقييد ولا تخصيص ، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها .
الثالث : إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمّها
كذلك ، وتقبيحها والهروب عنها ـ إلى أن قال : ـ فهو بحسب الاستقراء ، إجماع ثابت ، فدلّ على أنّ كلّ بدعة ليست بحقّ ، بل هي من الباطل .
الرابع : أنّ متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه ، لأنّه من باب مضادة الشارع وإطَّراح الشرع ، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح[ ٣ ] وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذمّ ، إذ لا يصحّ في معقول ولا منقول استحسان مشاقّة الشارع»[ ٤ ] .
إلى هنا تمّ الكلام في تحديد البدعة من حيث كون الموضوع بسيطاً ومركّباً ، ويترتّب عليه أنّه لا تعمّ البدعة غير الشريعة ، كالعادات والصناعات والأعلام وغيرها ، بل يستخرج حكمها من الكتاب والسنّة بنفس عناوينها ، لا بما هي بدعة ، فربّما تكون حلالا وأُخرى حراماً ، لكن ليس كلّ حرام بدعة . كما سيأتي .
[١] القلم : ٣٥ .
[٢] النجم : ٣٨ ـ ٣٩ .
[٣] لا يخفى أنّ الإمام الشاطبي يقول في كلمته هذه بالحسن والقبح العقليين مع أنّه خلاف مذهبه ، لاحظ الصفحة ١١٤ من الاعتصام .
[٤] الاعتصام ١ : ١٤١ ـ ١٤٢ .