البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦
إنّ أصحاب الأهواء في كلّ زمان حتّى في عصر الرسالة ، كانوا يقترحون على النبيّ الأكرم أن يغيّر دينه ، ويأتي بقرآن غير هذا ، لكي يكون مطابقاً لما تستهويه أنفسهم ، فأمر الله سبحانه أن يردّ اقتراحهم بقوله : ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَآءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم)[ ١ ] .
وكان في عصر الرسالة من يتقدّم على الله ورسوله ، لا مشياً وإنّما يقدّم رأيه على الوحي فنزل الوحي مندِّداً بهم وقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ
يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[ ٢ ] .
والكذب من المحرّمات الموبقة التي أوعدَ اللهُ عليها النار ، والبدعة من أفحش الكذب; لأنّها افتراء على الله ورسوله ، قال سبحانه : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[ ٣ ] . فالمبتدع يَظهر بزيّ المحق عند المسلمين; فيفتري على الله تعالى دون أن يكشفه الناس فيضلّهم عن الصراط المستقيم .
ومن المسلّم به أنّ لله في كلّ واقعة حكماً إلهيّاً لا يتبدّل ولا يتغيّر الى يوم القيامة ، فاذا حكم الحاكم وِفق ذلك الحكم فهو حاكم عادل معتمد على منصَّة الحق ، إلاّ أنّ المبتدع يحكم على خلاف ذلك الحق ، لذلك يصفه سبحانه بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً ، قال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ) وقال عزّ من قائل : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وقال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[ ٤ ] .
[١] يونس : ١٥ .
[٢] الحجرات : ١ .
[٣] الأنعام : ٢١ .
[٤] المائدة : ٤٤ ،٤٥ ،٤٦ .