الحداثة العولمة الإرهاب في ميزان النهضة الحسينية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٢ - النبيّ صلى الله عليه و آله في مواجهة قريش
هؤلاء بحيث يتحوّلون من متبوعين إلى تابعين، ومن آمرين إلى مأمورين، وكان هذا في نظرهم استهانة عظيمة؛ لأنّهم هم الزعماء وقيادة قريش للعرب، بل أنّ بعض المسلمين كانوا يتخوّفون من مواجهة فكريّة أو مواجهة عسكريّة مع قريش لما تتمتّع به من المواصفات والخصائص التي ذكرناها، حتى قال بعضهم- حينما سألهم النبيّ عن رأيهم قبل واقعة بدر في حرب قريش-: «إنّها قريش وخيلاءها لم تهزم قطّ، وإنّها ما ذلّت مذ عزّت» [١].
ولهذا فإنّ أباسفيان كان يعتبر أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله جاء بهذا الدين الجديد لكي يخرّب الدين الذي تتمسّك به قريش، ذلك الدين الذي لا يحمي الضعيف، ويسوده قانون الغاب، وتعمّه التصرّفات الفاسدة- ولا نقصد من هذا الدين هو دين إبراهيم الخليل الصحيح الذي جاء به، بل ما يتمسّك به هؤلاء زعماً منهم على أنّه دين إبراهيم-.
وقد واجهت النبيّ صلى الله عليه و آله كلّ هذه الصعوبات وغيرها ممّا كان من خارج مكّة، فشكّلت جميعها نظم قوميّة وإقليميّة؛ لأنّ مكّة كانت مهدّدة من الحبشة كما دلّلت على هذا سورة الفيل وقصة أبرهة الحبشي، وكذلك تهديدات كسرى الفرس، ومن قيصر الروم، في الوقت الذي بقت فيه قريش على دين إبراهيم الحنيف، إذن كان النبيّ يواجه تهديدات قبليّة من قِبل قريش، وإقليميّة من قِبل دول اخرى، وتهديدات عسكريّة، وتهديدات دينيّة من قِبل الديانات الاخرى، وكانت الوضعيّة الجغرافيّة لمكّة وضعيّة تجعلها محاطة بالأعداء الأقوياء؛ لأنّها كانت تمثّل المركز الأقوى في المنطقة ولما تتمتّع به من قداسة دينيّة، فكلّ هذه أصبحت جبهة واحدة في مقابل النبيّ صلى الله عليه و آله، فكان على النبيّ صلى الله عليه و آله أن يتّخذ التدابير الواقية، وأن يكون أكثر استعداداً
[١] وردت: «يا رسول اللَّه، إنّها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلّت منذ عزّت»- راجع تفسير القمّي: ١/ ٢٥٨، تفسير سورة الأنفال: الآية ٦. مجمع البيان: ٤/ ٤٣٢، تفسير الآية المتقدّمة. بحار الأنوار: ١٩/ ٢١٧، الباب ١٠- غزوة بدر الكبرى.