الحداثة العولمة الإرهاب في ميزان النهضة الحسينية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١١٥ - أدب الرثاء في القرآن الكريم
(قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) [١]- وهو في قوّة من اعترض على بكاء الزهراء عليها السلام، لفقد والدها النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، فقالوا لها: «قد آذيتنا بكثرة بكائك» [٢]- فيأتي جواب يعقوب عليه السلام على المعترضين (قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [٣]، وليس هذا من باب الاعتراض على قضاء اللَّه تعالى وقدره- كما يتصوّره البعض- بل هو تسليم بهما؛ لأنّ هناك فرق بين شكاية اللَّه تعالى والشكوى إلى اللَّه، والاعتراض والتنديد بالظالمين، فالأوّل اعتراض عليه تعالى، بخلاف الثاني، فإنّه تسليم وإقرار بما قدّره اللَّه وقضاه، ومقارعة وإدانة للظالمين وتظاهرة احتجاجيّة عليهم، وهو ما تصوّره لنا بطلة كربلاء العقيلة زينب عليها السلام عندما خاطبها عبيداللَّه بن زياد بقوله: كيف رأيت صنع اللَّه بأهلك بيتك، فقالت: ما رأيت إلّاجميلًا» [٤]، وهو أرقى مراتب التسليم بقضاء اللَّه وقدره.
إذاً فالقرآن الكريم ومن خلال تصويره الرائع لأحداث الماضي وندبته الأولياء والصالحين، يكشف لنا عن حقيقة الرثاء والندبة، وأنّها تضامن مع المظلومين وتنديد وإدانة واستنكار للظالمين، وأنّ هناك حثّ عليها من قِبله، وتأكيد وإصرار في إقامة مجالس الرثاء والندبة في كلّ قراءة وختمة للآيات والسور والقرآنيّة، وبهذا يتّضح لنا أنّ ندبة الحسين عليه السلام إنما هو سنّة قرآنيّة حثّ عليها القرآن وأبدع في تصويرها.
وآخر دعوانا أن الحمد للَّهربّ العالمين
وصلى اللَّه على محمّد وآله الطيبيّن الطاهرين
[١] سورة يوسف: الآية ٨٥.
[٢] () أمالي الصدوق- المجلس التاسع والعشرون: ٢٠٤، الحديث ٢٢١/ ٥. وسائل الشيعة: ٣/ ٢٨١، باب جواز البكاء على الميّت، الحديث ٣٦٥٥/ ٧.
[٣] () سورة يوسف: الآية ٨٦.
[٤] () بحار الأنوار: ٤٥/ ١١٦. مثير الأحزان/ ابن نما الحلّي: ٧٠، المقصد الثالث.