الحداثة العولمة الإرهاب في ميزان النهضة الحسينية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١١٤ - أدب الرثاء في القرآن الكريم
بدايات التنفيذ: (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) [١]؛ لأنّ إخراجه بعيداً عن نظر والده يعدّ الخطوة الأهمّ في الجريمة، وتبقى الخطوات الاخرى هي الأسهل في التنفيذ.
ثمّ يتدرّج القرآن في بيان موقع الجريمة فيقول تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) [٢]، وهذا في حقيقته هو الموقف الأصعب؛ لأنّ المجني عليه- وهو نبيّ اللَّه يوسف عليه السلام- كان يعلم بما سوف يحصل له، ويتقبّلها ويصبر عليها؛ لأنّ العناية الإلهيّة كانت تصاحب ذلك الصغير في بدنه، والكبير في حقيقته، فينبّأهم بفعلهم هذا من خلال أروع تصوير في قوله تعالى: (وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ) [٣]، وإنّ صبر يوسف عليه السلام لما يراه من إخوته إنّما هو لأمر أهمّ، ومنزلة عظيمة لا يمكنه عليه السلام أن يصل إليها، إلّامن خلال هذا الابتلاء والافتراق عن الأحبّة- وهذا شبيه بقول الرسول صلى الله عليه و آله لولده الحسين عليه السلام في الرؤيا:
«و إن لك في الجنّة درجات لا تنالها إلّابالشهادة»
[٤]-.
ثمّ ينتقل بنا إلى حزن الأحبّة بفراق يوسف واصفاً إيّاهم بقوله تعالى: (وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [٥]، فهذا الأب والنبيّ الذي تأثّر بفراق ولده، وحبيب قلبه، أخذ يندبه ويبكي عليه، حتّى فقد بصره من شدّة الحزن، بينما نجد مرتكبي هذه الجريمة لم يُرق لهم هذا الحزن من الوالد على ولده، فاعترضوا عليه بقولهم الذي يحكيه الربّ الجليل بقوله تعالى:
[١] سورة يوسف: الآيتان ١١ و ١٢.
[٢] السورة المتقدّمة: الآية ١٥.
[٣] السورة المتقدّمة: الآية ١٥
[٤] أمالي الصدوق- المجلس الثلاثون: ٢١٧، الحديث ٢٣٩/ ١. بحار الأنوار: ٤٤/ ٣١٣، كتاب عتبة إلى يزيد وكتابه إليه في أمر الحسين عليه السلام.
[٥] سورة يوسف: الآية ٨٤.