تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٥ - عصر الاِمامين الباقر والصادق - عليهما السلام
وهذا هو محمد بن طلحة، يعرّف الاِمام الصادق بقوله: هو من عظماء
أهل البيت وساداتهم ذو علوم جمّة، وعبادة موفورة، وزهادة بيّنة، وطراوة كثيرة،
يتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسم
أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، روَيته تذكر بالآخرة،
واستماع كلامه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهداه يورث الجنة، نور قسماته شاهد
أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّية الرسالة: نقل عنه الحديث
واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الاَئمّة وأعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد
الاَنصاري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبي حنيفة،
وشعبة، وأبي أيوب السجستاني وغيرهم، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرِّفوا بها
وفضيلة اكتسبوها. [١]
ولقد امتدّ عصر الاِمام الصادق - عليه السّلام - من نهاية خلافة عبد الملك بن
مروان إلى منتصف خلافة المنصور الدوانيقي، أي من سنة ٨٣هـ إلى سنة
١٤٨هـ. فقد أدرك فترة طويلة من العصر الاَُموي، وعاصر كثيراً من ملوكهم
وشاهد من جورهم أعنف أشكاله، وقضى شطراً من حياته حتى الحادية عشرة
مع جدّه زين العابدين، وحتّى الثانية والثلاثين مع أبيه الباقر، ونشأ في ظلّهما
يتغذّى من تعاليمهما حتى تكاملت تربيته الدينية، وتخرّج من تلك المدرسة
الجامعة، فاختصَّ بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة ١١٤هـ ، واتسع نشاط مدرسته في
المدينة ومكة والكوفة وغيرها من الاَمصار الاِسلامية.
وقد اتّسم العصر المذكور الذي عاشه الاِمام بظهور الحركات الفكريّة،
ووفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الاِسلامي، لا سيما حركة الغلاة
الهدّامة، الذين تطلّعت روَوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بث روح التفرقة
بين المسلمين، وترعرعت بُناة أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمّة الانتصار
[١] كشف الغمة: ٢|٣٦٨، وفيه أيوب السختياني، و الصحيح ما ذكرناه.