تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٦ - عصر الاِمامين الباقر والصادق - عليهما السلام
لمبادئهم التي قضى عليها الاِسلام، فقد اغتنموا الفرصة في بث تلك الآراء
الفاسدة في المجتمع الاسلامي، فكانوا يبثّون الاَحاديث الكاذبة ويسندونها إلى
حملة العلم من آل محمد، ليغروا به العامّة، فكان المغيرة بن سعيد يدّعي
الاتّصال بأبي جعفر الباقر، ويروي عنه الاَحاديث المكذوبة، فأعلن الاِمام
الصادق - عليه السّلام - كذبه والبراءة منه، وأعطى لاَصحابه قاعدة في الاَحاديث التي
تروى عنه فقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه
شاهداً من أحاديثنا المتقدمة».
لقد أضمر الخصوم لا سيما حكام بني أُمية وبني العباس العداء لاَئمّة أهل
البيت - عليهم السلام - وسعوا إلى تضييق الخناق عليهم للحد من اختلاف الناس إليهم،
إلاّ أنّه شاءت الاَقدار الالهية كسر هذا الطوق الذي فرضوه حيث سنحت الفرصة
لهم - عليهم السلام - لنشر السنّة النبوية وبثها في أوساط المسلمين، ولما كان ذلك ثقيلاً
على خصومهم عمدوا إلى بث الاَكاذيب على لسان الاَئمّة - عليهم السلام - بغية تشويه
سمعتهم والتقليل من شأنهم.
إنّ الاِمام - عليه السّلام - شرع بالرواية عن جدّه وآبائه عندما اندفع المسلمون
إلى تدوين أحاديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد الغفلة التي استمرت إلى عام
١٤٣هـ حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف، وتسرّبت إلى السنّة،
العديد من الروايات الاِسرائيلية والموضوعة من قبل أعداء الاِسلام من
الصليبيّين و المجوس بالاِضافة إلى المختلقات والمجعولات على يد علماء
السلطة ومرتزقة البلاط الاَُموي.
ومن هنا فقد وجد الاِمام - عليه السّلام - أن أمر السنّة النبوية قد بدأ يأخذ
اتجاهات خطيرة وانحرافات واضحة، فعمد - عليه السّلام - للتصدّي لهذه الظاهرة
الخطيرة، وتفنيد الآراء الدخيلة على الاِسلام، والتي تسرّب الكثير منها نتيجة
الاحتكاك الفكري والعقائدي بين المسلمين وغيرهم.