تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢ - أهل الحديث و أهل الرأي
لانعكاسات البيئة التي حضنت تلك الاَفكار، فأصحاب الحديث كانوا يقطنون
المدينة المنورة وما حولها التي كانت تمتاز ببساطة الحياة دون أن يواجهوا
حوادث مستجدّة، ولم يكن هناك أعراف مختلفة، ولا أفكار متشعبة، فلذلك
اقتصروا على ظاهر الكتاب والسنّة دون حاجة إلى الخوض في غمار الاجتهاد.
وأمّا البيئة الاَُخرى التي حضنت أصحاب الرأي، فقد عجَّت بالحوادث
المستجدة التي تأتي إليها من شتى الاَمصار.
مضافاً إلى قلّة المحدثين في تلك البيئات، فقد اكتظت المدينة بأهل
الحديث، وانحازوا عن الدولة الاَُموية لما رأوا فيها من انحراف عن سيرة النبي
والخلفاء، فلم يكن لاَصحاب الرأي بد من الاِجابة على الحوادث عن طريق
إعمال النظر والفكر، وهذا صار سبباً لحدوث المنهجين: أهل الحديث وأهل
الرأي، وقد تشعّب أهل الرأي إلى قسمين فيما بعد:
قسم يستنطق فيه كتاب اللّه وسنّة رسوله وما جعله الشرع دليلاً في
المسألة، ولا شك انّ هذا القسم من الرأي ليس افتاءً بالرأي المطلق، بل افتاء بما
هو المعلوم من الاَدلّة الشرعية، وفي الواقع إفتاء بالدليل الشرعي الذي ليس له
ظهور واضح في الحكم لكن بذل المجتهد جهوده لاستنطاقه. وعلى هذا فالرأي
هو التفكير الذي أرشد إليه الشرع حتى يصل إلى حكم اللّه الواقعي، وإلى ذلك
ينظر قول معاذ ـ إن صحّ سنده ـ فقد ولاّه رسول اللّه اليمن و سأله بقوله: كيف
تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال معاذ: أقضي بكتاب اللّه، فإن لم أجد فبسنّة
رسول اللّه، فإن لم أجد أجتهد. [١]
وقسم آخر لا يتّكل على الدليل الشرعي، بل يفتي على اعتبارات
[١] مختصر سنن أبي داود: ٥|٢١٢، الحديث ٣٤٤٧، مسند أحمد بن حنبل: ٥|٢٣٠. وقد مضى الكلام في حديثه في الجزء الاَوّل فلاحظ.