صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ٧ - تصدير
نشط معاوية في عهد الخليفتين الثاني و الثالث، بامارته على الشام عشرين سنة، تمكن بها في أجهزة الدولة، و صانع الناس فيها و أطمعهم به فكانت الخاصة في الشام كلها من أعوانه، و عظم خطره في الاسلام، و عرف في سائر الاقطار بكونه من قريش-أسرة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم-و أنه من أصحابه، حتى كان في هذا أشهر من كثير من السابقين الاولين الذين رضى اللّه عنهم و رضوا عنه، كأبي ذر و عمار و المقداد و أضرابهم.
هكذا نشأت «الاموية» مرة أخرى، تغالب الهاشمية باسم الهاشمية في علنها، و تكيد لها كيدها في سرها، فتندفع مع انطلاق الزمن تخدع العامة بدهائها، و تشتري الخاصة بما تغدقه عليهم من أموال الامة، و بما تؤثرهم به من الوظائف التي ما جعلها اللّه للخونة من أمثالهم، تستغل مظاهر الفتح و احراز الرضا من الخلفاء.
حتى اذا استتب أمر «الاموية» بدهاء معاوية، انسلت الى احكام الدين انسلال الشياطين، تدس فيها دسها، و تفسد افسادها، راجعة بالحياة الى جاهلية تبعث الاستهتار و الزندقة، وفق نهج جاهلي، و خطة نفعية، ترجوها «الاموية» لاستيفاء منافعها، و تسخرها لحفظ امتيازاتها.
و الناس-عامة-لا يفطنون لشيء من هذا، فان القاعدة المعمول بها في الاسلام-أعني قولهم: الاسلام يجب ما قبله-القت على فظائع «الاموية» سترا حجبها، و لا سيما بعد أن عفا عنها رسول اللّه و تألفها، و بعد أن قربها الخلفاء منهم، و اصطفوها بالولايات على المسلمين، و أعطوها من الصلاحيات ما لم يعطوا غيرها من ولاتهم. فسارت في الشام سيرتها عشرين عاما (لا يتناهون عن منكر فعلوه) و لا ينهون.
و قد كان الخليفة الثاني عظيم المراقبة لعماله، دقيق المحاسبة لهم، لا يأخذه في ذلك مانع من الموانع أصلا: تعتع بخالد بن الوليد، عامله على «قنسرين» اذ بلغه أنه اعطى الاشعث عشرة آلاف، فأمر به فعقله «بلال الحبشي» بعمامته، و أوقفه بين يديه على رجل واحدة، مكشوف الرأس،