صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٦١ - بداية النهاية
و قد يكون معنى تردده، انه كان يرى اتقاء الفضيحة التي لا يسترها عذر امام العالم الاسلامي، في محاربة سيدى شباب أهل الجنة، ابني بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، وجها لوجه.
و قد يكون انما أغراه باتخاذ هذه الوسيلة دون وسيلة السلاح، كتب الخونة من رؤساء الكوفة و زعماء قبائلها «يعرضون بها له السمع و الطاعة، و يتبرعون له بالمواعيد، و يتخذون عنده الايادى، و يستحثونه على المسير نحوهم، و يضمنون له تسليم الحسن عند دنوهم من عسكره، أو الفتك به [١] » .
*** و كان من أبرع اساليب «الفتنة» ان يجمع معاوية كل ما ورد عليه من كتب هؤلاء، ثم يدعو كلا من المغيرة بن شعبة و عبد اللّه بن عامر بن كريز و عبد الرّحمن بن الحكم، فيوفدهم جميعا بهذه الكتب كلها الى الحسن [٢] نفسه ليطلع عليها، و ليعرف نوايا أصحابها من متطوعة صفوفه، ثم ليكون من اللفتة البارعة مدخل للمفاوضة في الصلح أو التفاهم على نصف من الامر، فيما لو وجد هذا الوفد من جانب الحسن عليه السلام استعدادا لتفاهم او صلح.
و تفقّد الحسن خطوط الكوفيين و تواقيعهم بشيء من العناية و الامعان كما لو كان يعرف-قبل ذلك-خطوطهم و تواقيعهم و تأكد صحة نسبة الكتب لاصحاب التواقيع، و لكنها لم تكن لتزيده معرفة بأصحابها، و لم ير فيها جديدا لا يعهده من هذه الطبقة المعروفة بميولها و أهوائها و شذوذها الخلقي، الذي جرّ عليه الشيء الكثير من المآسي و النكبات في شتى مراحله منذ فاه بدعوة الجهاد.
ثم رجع بخطابه الى الوفد الشامي، دقيق العبارة لا يبت بأمر و لا ينكشف عن سرّ، و لم يترك النصيحة للمغيرة و رفاقه، بالدعوة الى اللّه عزّ و جل، عن طريق نصرته و ترك البغي عليه، و ذكّرهم بما هم مسئولون
[١] سبق ذكر المصادر في الفصل الثالث.
[٢] يراجع اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩١) .