إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٧٠ - الباب الخمسون في توحيد الله تعالى
و الآخر لم يعرف إشرافه عليه فأساء أدبه و فعل ما لا يليق أن يفعل بحضرة الملك و كذا العارف بالله فإنه مشاهده في كل حالاته و أسراره فهو معه متأدب و منه خائف و له مراقب و الجاهل بالله خارج عن هذه الحالة راكب للجهالة و لهذا تقول إن كان العاصي يعتقد حين يواقع المعصية أن الله تعالى يراه فإنه جاهل حيث جعله أهون الناظرين و إن كان يعتقد أنه لا يراه فإنه لكافر فكلا الأمرين خطر عظيم و إثم جسيم و لا شك أن المعرفة توجب الخوف و الحياء و من علامات العارف أن يكون خاطره فارغا من علق الدنيا و مهامها مشغولا بأخطار الآخرة و أهوالها و العارف لا يأسف على شيء إلا على ما فات من ذكر الله فإنه أبدا لا يرى إلا الله فلا يأسف على شيء مع الله لأنه يرى ما سوى الله بعين الفناء و الزوال فكيف ينظر إلى شيء فان زائل كما قال تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ يعني إلا ذاته سبحانه و العارف لا يخرج من الدنيا متأسفا إلا على قلة بكائه على ذنبه و تقصيره في ثنائه على ربه و لكل شيء ثمرة و ثمرة المعرفة الهيبة و المخافة و الأنس و لكل شيء عقوبة و عقوبة العارف فتوره عن الذكر و غفلته عن الفكر و من علامات المعرفة شدة المحبة لله و إذا اشتدت محبة العارف بالله كان الله له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً قَالَ لِجَبْرَائِيلَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَاناً فَأَحِبُّوهُ وَ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ.
و المحبة حالة شريفة كما أثنى الله تعالى بها على قوم فقال فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و محبة الله للعبيد سبوغ نعمه عليهم في الدنيا مع طاعتهم له و إثباته لهم في الآخرة فأما إنعامه على الكفار و العصاة فإنما هو إملاء لهم و استدراج لم يصدر عن محبته كما قال تعالى- وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً و قال سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ و قال تعالى أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ. و محبة الله تعالى لأهل طاعته إرادة نفعهم و ثوابهم و تسمى هذه المحبة رحمة منه و ثناء على العبيد كما أن ذمه لمن غضب عليه بغض له و لقد ذهب المحبون