إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٩٩ - الباب الخامس و العشرون في مدح الخمول و الاعتزال
وَ لَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو ذَرٍّ ره فِي قَوْلِهِ مَا وَهَبَ اللَّهُ لِعَبْدٍ هِبَةً أَحْسَنَ مِنْ أَنْ يَلْزَمَهُ زَاجِرٌ لِنَفْسِهِ يَأْمُرُهُ وَ يَنْهَاهُ وَ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَ لَا يَنَامُ إِلَّا عِنْدَ غَلَبَةِ النَّوْمِ وَ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
و بالجملة أن يقمعها عن الهوى كما قال تعالى وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى و اعلموا أن المجاهدة تعقب الراحة
الباب الخامس و العشرون في مدح الخمول و الاعتزال
اعلم أن جماع الخير كله و إحرازه في الوحشة من الناس و العزلة عنهم فإن بالعزلة يحصل الإخلاص و ينسد عنه باب الغيبة و النميمة و لغو القول و سلامة النظر و السمع لمن لا يجول و الوحشة من الناس علامة الأنس بالله و العزلة من أمارات الوصلة
وَ رَوَى سُفْيَانٌ الثَّوْرِيُّ قَالَ: قَصَدْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ع فَأَذِنَ لِي بِالدُّخُولِ فَوَجَدْتُهُ فِي سِرْدَابٍ يَنْزِلُ عَشْرَ مِرْقَاةٍ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَنْتَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْكَ فَقَالَ يَا سُفْيَانُ فَسَدَ الزَّمَانُ وَ تَنَكَّرَ الْإِخْوَانُ وَ تَقَلَّبَ الْأَعْيَانُ فَاتَّخَذْنَا الْوَحْدَةَ سَكَناً أَ مَعَكَ شَيْءٌ تَكْتُبُ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ اكْتُبْ شِعْراً
|
لَا تَجْزَعَنَّ لِوَحْدَةٍ وَ تَفَرَّدْ |
وَ مِنَ التَّفَرُّدِ فِي زَمَانِكَ فَازْدَدْ |
|
|
فَسَدَ الْإِخَاءُ فَلَيْسَ ثَمَّةَ إِخْوَةٌ |
إِلَّا التَّمَلُّقُ بِاللِّسَانِ وَ بِالْيَدِ |
|
|
وَ إِذَا نَظَرْتَ جَمِيعَ مَا بِقُلُوبِهِمْ |
أَبْصَرْتَ سَمَّ نَقِيعٍ ثُمَّ الْأَسْوَدَ |
|
|
فَإِذَا فَتَشْتَ ضَمِيرَهُ مِنْ قَلْبِهِ |
وَافَيْتَ عَنْهُ مَرَارَةً لَا تَنْفَدُ |
|
.
و العزلة في الحقيقة اعتزال الأمور الذميمة و الذي حصل علوم معارفه و عمله ثم اعتزل بنى أمره على أساس ثابت و ينبغي لصاحب العزلة الاشتغال بذكر ربه و الفكر في صنائعه و إلا أوقعته خلوته في بلية و فتنة و يكون عنده قوة في العلم تدفع عنه هواجس الشيطان و وساوسه و لا شكّ أن خير الدنيا و الآخرة في العزلة و التقليل من علق الدنيا و شرّها في الكثرة و الاختلاط بالناس و الخمول رأس كل