إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٦٠ - الباب التاسع و الأربعون في الأدب مع الله تعالى
الباب التاسع و الأربعون في الأدب مع الله تعالى
وَ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَرَادَ بِذَلِكَ قَهْرَهُمْ بِالدِّينِ وَ تَأْدِيبَهُمْ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ.
و قال تعالى لموسى ع فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً فأمره بالأدب بخلع نعليه عند مناجاته
فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَدَّبَنِي رَبِّي بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
و أعظم الخلق أدبا مع الله الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل و أكثر الخلق تأديبا مع الله تعالى نبينا محمد ص لقوله سبحانه وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع لِوَلَدِهِ الْحَسَنِ يَا بُنَيَّ أَحْرِزْ حَظَّكَ مِنَ الْأَدَبِ وَ فَرِّغْ لَهُ قَلْبَكَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُخَالِطَهُ دَنَسٌ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا افْتَقَرْتَ عِشْتَ بِهِ وَ إِنْ تَغَرَّبْتَ كَانَ لَكَ كَالصَّاحِبِ الَّذِي لَا وَحْشَةَ مَعَهُ يَا بُنَيَّ الْأَدَبُ لِقَاحُ الْعَقْلِ وَ ذَكَاءُ الْقَلْبِ وَ عُنْوَانُ الْفَضْلِ.
و اعلم أنه لا مروة لأحد بماله و لا حاله بل الأدب عماد الرجل و ترجمان عقله و دليله على مكارم الأخلاق و ما الإنسان لو لا الأدب إلا بهيمة مهملة
وَ قَالَ الْجَوَادُ ع مَا اجْتَمَعَ رَجُلَانِ إِلَّا كَانَ أَفْضَلُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ آدَبَهُمَا فَقِيلَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ عِنْدَ النَّاسِ فَمَا فَضْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَمَا أُنْزِلَ وَ يَرْوِي حَدِيثَنَا كَمَا قُلْنَا وَ يَدْعُو اللَّهَ مُغْرَماً بِدُعَائِهِ.
و حقيقة الأدب اجتماع خصال الخير و تجافي خصال الشر و بالأدب يبلغ الرجل مكارم الأخلاق في الدنيا و الآخرة و يصل به إلى الجنة و الأدب عند الناس النطق بالمستحسنات لا غير و هذا لا يعتد به ما لم يوصل بها إلى رضاء الله سبحانه و الجنة و الأدب هو أدب الشريعة فتأدبوا بها تكونوا أدباء حقا و من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه ذلك إلى الهلكة فكيف بمن يصاحب ملك الملوك و سيد السادات
وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عَبْدِي أَ مِنَ الْجَمِيلِ أَنْ تُنَاجِيَنِي وَ أَنْتَ تَلْتَفِتُ يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ يُكَلِّمُكَ عَبْدٌ مِثْلُكَ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَ تَدَعُنِي وَ نَرَى مِنْ أَدَبِكَ