إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٥٨ - الباب الثامن و الأربعون في فضيلة الفقر و حسن عاقبته
وَ هُوَ جَالِسٌ عَلَى حَصِيرٍ صَغِيرٍ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ غَيْرُهُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِيَدِكَ بَيْتُ الْمَالِ وَ لَسْتُ أَرَى فِي بَيْتِكَ شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَيْتُ فَقَالَ يَا ابْنَ غَفَلَةَ إِنَّ اللَّبِيبَ لَا يَتَأَثَّثُ فِي دَارِ النُّقْلَةِ وَ لَنَا دَارٌ قَدْ نَقَلْنَا إِلَيْهَا خَيْرَ مَتَاعِنَا وَ إِنَّا عَنْ قَلِيلٍ إِلَيْهَا صَائِرُونَ.
. و كان ع إذا أراد أن يكتسي دخل السوق فيشتري الثوبين فيخير قنبر أجودهما و يلبس الآخر ثم يأتي الخياط فيمد له أحد كميه و يقول خذه بقدومك و يقول هذه تخرج في مصلحة أخرى و يبقى الكم الآخر بحالها و يقول هذه تأخذ فيها من السوق للحسن و الحسين.
فلينظر العاقل بعين صافية و فكرة سليمة يتحقق له أنه لو يكون في الدنيا و الإكثار منها خير لم يفت هؤلاء الأكياس الذين هم خلاصة الخلق و حجج الله على سائر الناس بل تقربوا إلى الله بالبعد عنها-
حَتَّى قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا.
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا يُعْبَدُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا.
وَ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْفُقَرَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ أُفْقِرْكُمْ لِهَوَانِكُمْ عَلَيَّ وَ لَكِنْ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
وَ قَالَ تَعَالَى فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أُفٍّ لَكُمْ لَمْ أُغْنِ الْغَنِيَّ لِكَرَامَتِهِ عَلَيَّ وَ لَمْ أُفْقِرِ الْفَقِيرَ لِهَوَانِهِ عَلَيَّ وَ إِنَّمَا ابْتَلَيْتُ الْأَغْنِيَاءَ بِالْفُقَرَاءِ وَ لَوْ لَا الْفُقَرَاءُ لَمْ يَسْتَوْجِبِ الْأَغْنِيَاءُ الْجَنَّةَ.
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْفُقَرَاءَ وَ الْأَغْنِيَاءَ فِي رَحْبَةِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَبْعَثُ مُنَادِياً يُنَادِي مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْكُمْ وَصَلَهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ فِي اللَّهِ وَ لَوْ بِلُقْمَةٍ مِنْ خُبُزٍ بِإِدَامِهَا خَصَّهُ بِهَا عَلَى مَائِدَتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِيَدِهِ عَلَى مَهَلٍ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ قَالَ فَهُمْ أَعْرَفُ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ وَ أُمَّهَاتِهِمْ قَالَ فَيَجِيءُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ عَلَى ذِرَاعِ أَخِيهِ الْمُكْرِمِ لَهُ الْوَاصِلِ لَهُ فَيَقُولُ لَهُ يَا أَخِي أَ مَا تَعْرِفُنِي أَ لَسْتَ الصَّانِعَ بِي فِي يَوْمِ كَذَا وَ كَذَا مِنَ الْمَعْرُوفِ كَذَا وَ كَذَا فَيُذَكِّرُهُ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَ مَعَهُ مِنَ الْبِرِّ وَ الصِّلَةِ وَ الْكَرَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَقُولُ إِلَى أَيْنَ فَيَقُولُ إِلَى الْجَنَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لِي بِذَلِكَ-