إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١١٩ - الباب الرابع و الثلاثون في القناعة و مصلحتها
وَ رُوِيَ أَنَّ عَلِيّاً ع اجْتَازَ بِقَصَّابٍ وَ عِنْدَهُ لَحْمٌ سَمِينٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا اللَّحْمُ سَمِينٌ اشْتَرِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ لَيْسَ الثَّمَنُ حَاضِراً فَقَالَ أَنَا أَصْبِرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ أَنَا أَصْبِرُ عَنِ اللَّحْمِ.
و إن الله سبحانه وضع خمسة في خمسة العز في الطاعة و الذل في المعصية و الحكمة في خلو البطن و الهيبة في صلاة الليل و الغنى في القناعة.
وَ فِي الزَّبُورِ الْقَانِعُ غَنِيٌّ وَ لَوْ جَاعَ وَ عَرِيَ وَ مَنْ قَنِعَ اسْتَرَاحَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ وَ اسْتَطَالَ عَلَى أَقْرَانِهِ.
وَ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ قَالَ فَكُّهَا مِنَ الْحِرْصِ وَ الطَّمَعِ.
و من قنع فقد اختار العز على الذل و الراحة على التعب
قِيلَ إِنَّ دَاوُدَ ع قَالَ يَا رَبِّ أَخْبِرْنِي بِقَرِينِي فِي الْجَنَّةِ فِي قَصْرِي فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ مَتَّى أَبُو يُونُسَ فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ تَعَالَى فِي زِيَارَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ فَأَخَذَ بِيَدِ وَلَدِهِ سُلَيْمَانَ حَتَّى أَتَيَا مَوْضِعَهُ فَإِذَا هُوَ بِبَيْتٍ مِنْ سَعَفٍ فَسَأَلَا عَنْهُ فَقِيلَ إِنَّهُ فِي الْحَطَّابِينَ يَقْطَعُ الْحَطَبَ وَ يَبِيعُهُ فَجَلَسَا يَنْتَظِرَانِهِ إِذْ أَقْبَلَ وَ عَلَى رَأْسِهِ حُزْمَةٌ مِنْ حَطَبٍ فَأَلْقَاهَا عَنْهُ ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَ قَالَ مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي طَيِّباً بِطَيِّبٍ فَسَاوَمَهُ وَاحِدٌ وَ اشْتَرَاهُ آخَرُ فَدَنَيَا مِنْهُ وَ سَلَّمَا عَلَيْهِ فَقَالَ انْطَلِقَا بِنَا إِلَى الْمَنْزِلِ وَ ابْتَاعَ بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ طَعَامٍ ثُمَّ وَضَعَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ قَدْ أَعَدَّهُمَا لِذَلِكَ وَ طَحَنَهُ ثُمَّ عَجَنَهُ فِي نَقِيرٍ لَهُ ثُمَّ أَجَّجَ نَاراً وَ أَوْقَدَهَا بِالْحَطَبِ ثُمَّ وَضَعَ الْعَجِينَ عَلَيْهَا ثُمَّ جَلَسَ يَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ هُنَيْهَةً ثُمَّ نَهَضَ وَ قَدْ نَضِجَتْ خُبُزَتُهُ فَوَضَعَهَا فِي النَّقِيرِ وَ فَلَقَهَا وَ وَضَعَ عَلَيْهَا مِلْحاً وَ وَضَعَ إِلَى جَانِبِهِ مِطْهَرَةً فِيهَا مَاءٌ وَ جَلَسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَ أَخَذَ لُقْمَةً وَ كَسَرَهَا وَ وَضَعَهَا فِي فِيهِ وَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ^ فَلَمَّا ازْدَرَدَهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ^ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بِأُخْرَى فَأُخْرَى ثُمَّ أَخَذَ الْمَاءَ فَشَرِبَ مِنْهُ وَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَ قَالَ لَكَ الْحَمْدُ يَا رَبِّ مَنْ ذَا الَّذِي أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ وَ أَوْلَيْتَهُ مِثْلَ مَا أَوْلَيْتَنِي إِذْ صَحَّحْتَ بَدَنِي وَ سَمْعِي وَ بَصَرِي وَ جَوَارِحِي وَ قَوَّيْتَنِي حَتَّى ذَهَبْتُ إِلَى شَجَرٍ لَمْ أَغْرِسْهُ بِيَدِي وَ لَا زَرَعْتُهُ بِقُوَّتِي وَ لَمْ أَهْتَمَّ بِحِفْظِهِ فَجَعَلْتَهُ لِي رِزْقاً وَ أَعَنْتَنِي عَلَى قَطْعِهِ وَ حَمْلِهِ وَ سُقْتَ إِلَيَّ مَنِ اشْتَرَاهُ مِنِّي وَ اشْتَرَيْتُ بِثَمَنِهِ طَعَاماً لَمْ أَزْرَعْهُ وَ لَمْ أَتْعَبْ فِيهِ وَ سَخَّرْتَ لِي حَجَراً طَحَنْتُهُ وَ نَاراً أَنْضَجْتُهُ وَ جَعَلْتَ لِي شَهْوَةً قَابِلَةً لِذَلِكَ فَصِرْتُ آكُلُهُ بِشَهْوَةٍ وَ أَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى