إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٦٥ - الباب الخامس عشر في الموعظة
ملك يعظه أيها الملك اعدل برعيتك و ارحم من تحت يديك و لا تتجبر عليهم و لا تعل قدرك و لا تنس قبرك الذي هو منتهى أمرك فإن الموت يأتيك و إن طال عمرك و الحساب أمامك و القيامة موعدك و قد كان هذا الأمر الذي أنت فيه بيد غيرك فلو بقي له لم يصل إليك و سينتقل عنك كما انتقل عنه و أنه لا يبقى لك و لا تبقى له فقدم لنفسك خيرا تجده محضرا و تزود من دار الغرور لدار الفرح و السرور و اعتبر بمن كان قبلك ممن خزن الأموال و جدد الإقلال و جمع الرجال فلم يستطع دفع المنية و لا رد الرزية فلا تغتر بدنيا دنية لم يرضها الله جزاء لأوليائه و لا عذابا لأعدائه و اعتبر بقوله القائل شعرا-
|
و كيف يلذ العيش من كان موقنا |
بأن المنايا بغتة ستعاجله |
|
|
و كيف يلذ النوم من كان مؤمنا |
بأن إله الخلق لا بد سائله |
|
|
و كيف يلذ العيش من كان صائرا |
إلى جدث يبلي الثياب منازله |
|
|
و كيف يلذ النوم من أثبتوا له |
مثاقيل أوزان الذي هو فاعله. |
|
الباب الخامس عشر في الموعظة
قال جامع هذا الكتاب إن الموعظة لا تنجح فيمن لا زاجر له و لا واعظ من نفسه و ما وهب الله تعالى لعبده هبة أنفع له من زاجر من نفسه و قل أن تنجح الموعظة في أهل التجبر و التكبر و إني لأعجب من قوم غدوا في المطارف العتاق و الثياب الرقاق يخيطون الولايات و يتحملون الأمانات و يتعرضون للخيانات حتى إذا بلغوا بغيتهم و نالوا أمنيتهم خافوا من فوقهم من أهل الفضل و الفقه و ظلموا من دونهم من أهل الضعف و الحرفة و سمنوا أبدانهم و أهزلوا دينهم و عمروا دنياهم و خربوا آخرتهم و أوسعوا دورهم و ضيقوا قبورهم يتكئ أحدهم على شماله و يأكل غير ماله و يدعو بحلو بعد حامض و رطب بعد يابس و حار بعد بارد حتى إذا غصته الكظة و أثقلته البطنة و غلبه البشم قال يا جارية هات هاضوما و هات حاطوما و الله يا جاهل يا مغرور ما حطمت طعامك بل