إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٦١ - الباب التاسع و الأربعون في الأدب مع الله تعالى
إِذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ أَخاً لَكَ لَا تَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ فَتُعْطِيهِ مِنَ الْأَدَبِ مَا لَا تُعْطِينِي فَبِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ص خَرَجَ إِلَى غَنَمٍ لَهُ وَ رَاعِيهَا عُرْيَانٌ يَفْلِي ثِيَابَهُ فَلَمَّا رَآهُ مُقْبِلًا لَبِسَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص امْضِ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي رِعَايَتِكَ فَقَالَ وَ لِمَ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْتَخْدِمُ مَنْ لَا يَتَأَدَّبُ مَعَ اللَّهِ وَ لَا يَسْتَحِي مِنْهُ فِي خَلْوَتِهِ.
و إنما فعل ذلك لأن الراعي أعطاه فوق ما أعطى ربه
وَ رُوِيَ أَنَّهُ ص سَلَّمَ عَلَيْهِ غُلَامٌ دُونَ الْبُلُوغِ وَ بَشَّ لَهُ وَ تَبَسَّمَ فَرَحاً بِالنَّبِيِّ ص فَقَالَ لَهُ أَ تُحِبُّنِي يَا فَتَى فَقَالَ إِي وَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ عَيْنَيْكَ فَقَالَ أَكْثَرَ فَقَالَ مِثْلَ أَبِيكَ فَقَالَ أَكْثَرَ فَقَالَ مِثْلَ أُمِّكَ فَقَالَ أَكْثَرَ فَقَالَ مِثْلَ نَفْسِكَ فَقَالَ أَكْثَرَ وَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَ مِثْلَ رَبِّكَ فَقَالَ اللَّهَ اللَّهَ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا لَكَ وَ لَا لِأَحَدٍ فَإِنَّمَا أَحْبَبْتُكَ لِحُبِّ اللَّهِ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ إِلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ وَ قَالَ هَكَذَا كُونُوا أَحِبُّوا اللَّهَ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْكُمْ وَ إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ وَ أَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ.
فاختبر ص على صحة أدبه في المحبة لله تعالى فالأدب مع الله بالاقتداء بآدابه و آداب نبيه و أهل بيته ع و هو العمل بطاعته و الحمد لله على السراء و الضراء و الصبر على البلاء و لهذا قال أيوب ع رب إني مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فقد تأدب هنا من وجهين أحدهما إنه لم يقل إنك أمستني بالضر و الآخر لم يقل ارحمني بل عرض تعريضا فقال وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ و إنما فعل ذلك حفظا لمرتبة الصبر و كذا قال إبراهيم وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ و لم يقل إذا مرضتني حفظا للأدب و قال أيوب ع في موضع آخر- أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ أشار بذلك إلى الشيطان لأنه كان يغري الناس فيؤذونه و كل ذلك تأدب منهم مع الله تعالى في مخاطبتهم و قوم آخرون افتروا عليه سبحانه و نسبوا إليه من القبيح ما نزهوا عنه آباءهم و أمهاتهم و قالوا