إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٢٤ - الباب الرابع في ترك الدنيا
الْعَارِيَّةَ مَرْدُودَةٌ أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَ الْفَاجِرُ وَ الْآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ يَحْكُمُ فِيهِ مَلِكٌ عَادِلٌ قَاهِرٌ فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ نَظَرَ لِنَفْسِهِ وَ مَهَّدَ لِرَمْسِهِ وَ حَبْلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ مُلْقًى قَبْلَ أَنْ يُنْفَذَ أَجَلُهُ وَ يَنْقَطِعَ أَمَلُهُ وَ لَا يَنْفَعَ النَّدَمُ.
وَ قَالَ الْحَسَنُ ع مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا ذَهَبَ خَوْفُ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ وَ مَنِ ازْدَادَ حِرْصاً عَلَى الدُّنْيَا لَمْ يَزْدَدْ مِنْهَا إِلَّا بُعْداً وَ ازْدَادَ هُوَ مِنَ اللَّهِ بُغْضاً وَ الْحَرِيصُ الْجَاهِدُ وَ الزَّاهِدُ الْقَانِعُ كِلَاهُمَا مُسْتَوْفٍ أُكُلَهُ غَيْرُ مَنْقُوصٍ مِنْ رِزْقِهِ شَيْئاً فَعَلَامَ التَّهَافُتُ فِي النَّارِ وَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي صَبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ تُورِثُ رَاحَةً طَوِيلَةً وَ سَعَادَةً كَثِيرَةً وَ النَّاسُ طَالِبَانِ طَالِبٌ يَطْلُبُ الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهَا هَلَكَ وَ طَالِبٌ يَطْلُبُ الْآخِرَةَ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهَا فَهُوَ نَاجٍ فَائِزٌ وَ اعْلَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَ أَصَابَكَ مِنْ شَدَائِدِهَا إِذَا ظَفِرْتَ بِالْآخِرَةِ وَ مَا يَنْفَعُكَ مَا أَصَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا إِذَا حُرِمْتَ الْآخِرَةَ.
و كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري عظني فكتب له أن رأس ما يصلحك هو الزهد في الدنيا و الزهد باليقين و اليقين بالفكر و الفكر هو الاعتبار فإذا فكرت في الدنيا لم تجدها أهلا أن تنفع نفسك بجميعها فكيف ببعضها و وجدت نفسك أهلا أن تكرمها بهوان الدنيا و اذكر قول الله عز و جل- وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً فلقد عدل عليك من جعلك حسيبا على نفسك و لقوله تعالى اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً و قال لقد صحبت في الدنيا أقواما كانوا و الله قرة عين و كلامهم شفاء الصدور و كانوا و الله في الحلال أزهد منكم في الحرام و كانوا على النوافل أشد محافظة منكم على الفرائض و كانوا و الله من حسناتهم و من أعمالهم الحسنة ترد عليهم أكثر وجلا من أعمالكم السيئة أن تعذبوا بها و كانوا و الله يخافون من حسناتهم أن تظهر أشد خوفا منكم من سيئاتكم أن تشهر و كانوا و الله يستترون حسناتهم كما تستترون أنتم سيئاتكم و كانوا محسنين فهم مع ذلك يبكون و أنتم تسيئون و تضحكون ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ظهر المخالفون و قلت العلماء و عفت السنة و هجر الكتاب و شاعت البدعة و تعامل الناس بالمداهنة و تقارضوا