إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٥٦ - الباب الثامن و الأربعون في فضيلة الفقر و حسن عاقبته
في البراري و القفار و إن كان في بحر غرق هو و المال و إن كان في بر أخذه منه القطاع و قتلوه فهو لا يزال على خطر به و بنفسه و الفقير قد انقطع إلى الله و قنع بما يسد قوته و يواري عورته.
قال بعض العلماء استراح الفقير من ثلاثة أشياء و بلي بها الغني قيل و ما هي قال جور السلطان و حسد الجيران و تملق الإخوان.
و قال بعضهم اختار الفقير ثلاثة أشياء اليقين و فراغ القلب و خفة الحساب و اختار الأغنياء ثلاثة تعب النفس و شغل القلب و شدة الحساب.
و لا شك أن الفقر حلية الأولياء و شعار الصالحين-
فَفِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى ع وَ إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَ إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ.
ثم انظر في قصص الأنبياء ع و خصائصهم و ما كانوا فيه من ضيق العيش فهذا موسى كليم الله الذي اصطفاه لوحيه و كلامه كان يرى خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله و ما طلب حين آوى إلى الظل بقوله رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض
وَ رُوِيَ أَنَّهُ ع قَالَ يَوْماً يَا رَبِّ إِنِّي جَائِعٌ فَقَالَ تَعَالَى أَنَا أَعْلَمُ بِجُوعِكَ قَالَ يَا رَبِّ أَطْعِمْنِي قَالَ إِلَى أَنْ أُرِيدَ.
وَ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى ع يَا مُوسَى الْفَقِيرُ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِثْلِي كَفِيلٌ وَ الْمَرِيضُ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِثْلِي طَبِيبٌ وَ الْغَرِيبُ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِثْلِي مُؤْنِسٌ وَ يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ يَا مُوسَى ارْضَ بِكِسْرَةٍ مِنْ شَعِيرٍ تَسُدُّ بِهَا جَوْعَتَكَ وَ بِخِرْقَةٍ تُوَارِي بِهَا عَوْرَتَكَ وَ اصْبِرْ عَلَى الْمَصَائِبِ وَ إِذَا رَأَيْتَ الدُّنْيَا مُقْبِلَةً عَلَيْكَ فَقُلْ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عُقُوبَةٌ عُجِّلَتْ فِي الدُّنْيَا وَ إِذَا رَأَيْتَ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً عَنْكَ فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ يَا مُوسَى لَا تَعْجَبَنَّ بِمَا أُوتِيَ فِرْعَوْنُ وَ مَا مُتِّعَ بِهِ فَإِنَّمَا هِيَ زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
و أما عيسى ابن مريم روح الله و كلمته
فإنه كان يقول خَادِمِي يَدَايَ وَ دَابَّتِي رِجْلَايَ وَ فِرَاشِيَ الْأَرْضُ وَ وِسَادِيَ الْحَجَرُ وَ دِفْئِي فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الْأَرْضِ-