إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٠٠ - الباب الخامس و العشرون في مدح الخمول و الاعتزال
خير-
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ الْخُمُولُ نِعْمَةٌ وَ كُلٌّ يَأْبَاهُ وَ التَّرَفُّعُ نَقِمَةٌ وَ كُلٌّ يَتَرَجَّاهُ وَ الْغِنَى فِتْنَةٌ وَ كُلٌّ يَتَمَنَّاهُ وَ الْفَقْرُ عِصْمَةٌ وَ كُلٌّ يَتَجَافَاهُ وَ الْمَرَضُ حِطَّةٌ لِلذُّنُوبِ وَ كُلٌّ يَتَوَقَّاهُ وَ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ مَا لَمْ يُعْرَفْ فَإِذَا عُرِفَ صَارَ لِغَيْرِهِ.
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ تَبَدَّلْ وَ لَا تُشْهَرْ وَ وَارِ شَخْصَكَ وَ لَا تُذْكَرْ وَ تَعَلَّمْ وَ اعْمَلْ وَ اسْكُتْ تَسْلَمْ تَسُرُّ الْأَبْرَارَ وَ تَغِيظُ الْفُجَّارَ وَ لَا عَلَيْكَ إِذَا عَلِمْتَ مَعَالِمَ دِينِكَ أَنْ لَا تَعْرِفَ النَّاسَ وَ لَا يَعْرِفُوكَ وَ مَنْ أَلْزَمَ قَلْبَهُ فِكْراً وَ لِسَانَهُ الذِّكْرَ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ إِيمَاناً وَ رَحْمَةً وَ نُوراً وَ حِكْمَةً وَ إِنَّ الْفِكْرَ وَ الِاعْتِبَارَ يُخْرِجَانِ مِنْ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِنْ عَجَائِبِ الْمَنْطِقِ فِي الْحِكْمَةِ فَتُسْمَعُ لَهُ أَقْوَالٌ يَرْضَاهَا الْعُلَمَاءُ وَ تَخْشَعُ لَهُ الْعُقَلَاءُ وَ تَعْجَبُ مِنْهُ الْحُكَمَاءُ.
وَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أُمَّ أُوَيْسٍ مِنْ أَيْنَ لِابْنِكِ هَذِهِ الْحَالَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي قَدْ مَدَحَهُ النَّبِيُّ بِهَا مَدْحاً لَمْ يَمْدَحْ بِهِ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ هَذَا وَ لَمْ يَرَهُ النَّبِيُّ ص فَقَالَتْ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ اعْتَزَلَنَا وَ كَانَ يَأْخُذُ فِي الْفِكْرِ وَ الِاعْتِبَارِ.
وَ قَالَ ع إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى ع مَنْ أَحَبَّ حَبِيباً أَنِسَ بِهِ وَ مَنْ أَنِسَ بِحَبِيبٍ صَدَّقَ قَوْلَهُ وَ رَضِيَ فِعْلَهُ وَ مَنْ وَثِقَ بِحَبِيبٍ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَ مَنِ اشْتَاقَ إِلَى حَبِيبٍ جَدَّ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ يَا مُوسَى ذِكْرِي لِلذَّاكِرِينَ وَ زِيَارَتِي لِلْمُشْتَاقِينَ وَ جَنَّتِي لِلْمُطِيعِينَ وَ أَنَا خَاصَّةً لِلْمُحِبِّينَ.
وَ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ إِنْ أَرَدْتَ لِقَائِي غَداً فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ فَكُنْ فِي الدُّنْيَا غَرِيباً مَحْزُوناً مُسْتَوْحِشاً كَالطَّيْرِ الْوُحْدَانِيِّ الَّذِي يَطِيرُ فِي الْأَرْضِ الْقَفْرَةِ وَ يَأْكُلُ مِنْ رُءُوسِ الْأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَوَى إِلَى وَكْرِهِ وَ لَمْ يَكُنْ مَعَ الطَّيْرِ اسْتِيحَاشاً مِنَ النَّاسِ وَ اسْتِينَاساً بِرَبِّهِ.
وَ مَنِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ و مكابدة معزله و الصبر عليها أيسر من سوء عاقبة مخالطة الناس و الوحدة طريقة الصديقين و علامة الإفلاس القرب من الناس و مخالطة الناس فتنة في الدين عظيمة لأن من خالط الناس درأهم و من درأهم راهمهم و داهنهم و راقبهم و لا يصحّ موالاة الله و مراقبة الناس و مراياهم و من أراد أن يسلم له دينه و يستريح بدنه و قلبه فليعتزل الناس فإن هذا زمان وحشة و العاقل الناصح لنفسه من اختار