شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٩٧ - معنى الحمد و الشكر و بيان الفرق بينهما
«خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ» » ١علمت أنّ الحمد من أكمل المطالب للّه فالإتيان به يكون مستلزما لرضوان اللّه و ما يستلزمه الرضوان من الخيرات الدائمة و النعم الباقية و إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ السيّد رضيّ الدين أشار بهذا الفصول الأربعة إلى أربعة أنواع من تلك الخيرات.الأوّل قبول الحمد و رضاء من العبد مع كونه أيسر شيء مؤنة و أخفّه على اللسان كلّفة ثمنا مقابلا كافيا لنعماء اللّه تعالى في حقّه،و ذلك في الحقيقة نعمة اخرى و موهبة كبرى يستدعي حمدا آخرا و هلمّ جرّا فسبحان الّذي لا تحصى نعماؤه و لا تستقصي آلاؤه،و قوله ثمنا استعارة لطيفة و وجه المشابهة أنّ الثمن لمّا كان مستلزما لرضا البايع به عوضا من مبيعه و كان الحمد مستلزما لرضا الحقّ سبحانه في مقابلة نعمه لا جرم أشبه الثمن فاستعير لفظه له،و في الخبر إنّ اللّه تعالى أوحى إلى أيّوب عليه السّلام إنّي رضيت الشكر مكافاة من أوليائي في كلام طويل،الثاني جعله الحمد معاذا من بلائه،و بيانه أمّا أوّلا فلقوله تعالى« «وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ» » ٢فإنّه تعالى لمّا توعّد بالعذاب فمن كفر نعمته مع إرادته للحمد و الشكر و أمره بهما في غير موضع علمنا أنّ الشكر و الحمد من أسباب الخلاص من العذاب الأليم و البلاء العظيم لاستلزامهما عدم سببه و هو الكفران، و أمّا ثانيا فلأنّك علمت أنّ الآتي بالحمد مستحقّ لرضوان اللّه تعالى من جهة ما هو حامد و المستحقّ لرضوان اللّه ناج من عذاب اللّه فكان الحمد محلاّ للعوذ به من بلائه و سخطه الثالث جعله الحمد و سيلا إلى جنانه،و بيانه أمّا أوّلا فلكونه من أتمّ العبادات و كون العبادة وسيلة إلى الجنّة ظاهر،و أمّا ثانيا فما روى أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله ينادي يوم القيامة ليقم الحمّادون فيقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنّة قيل و من الحمّادون؟قال:
الّذين يشكرون اللّه على كلّ حال فحكم بأنّ الحمّادين يدخلون الجنّة بسبب حمدهم الرابع جعله الحمد سببا لزيادة إلى إحسانه،و بيانه أمّا أوّلا فلقوله تعالى «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» فعلّق زيادة النعمة بمجرّد الشكر،و أمّا ثانيا فلأنّ الجود الإلهي لا بخل فيه و لا منع و إنّما النقصان من جهة العبد لعدم الاستحقاق و إذا استعدّ لقبول النعم بالحمد أفاض اللّه تعالى عليه نعمة ثمّ لا يزال يستعدّ بالحمد و الشكر على النعم السابقة للمزيد