شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٥١ - حقيقة النظم و أقسامه
و ما أحدثه المتأخّرون و إن كان لا ينخرط في سلك الأوّلين إلاّ أنّه يدلّ على ذكاء مبتدعه و فطنة مخترعه و باللّه التوفيق.
الفصل الثالث في التقديم و التأخير
و فيه أبحاث.
البحث الأوّل في فائدتهما
-إذا قدّم اللفظ على غيره فإمّا أن يكون في النيّة مؤخّرا كخبر المبتدأ إذا قدم عليه و المفعول على الفاعل،و إمّا أن لا يكون على نيّة التأخير و لكن على أن ينقل الشيء من حكم إلى حكم آخر مثاله أن تذكرا سمين كلّ واحد منهما يصلح أن يكون مبتداء و الآخر خبرا فتقدّم هذا تارة و ذاك اخرى كقولك زيد المنطلق و عكسه.قال سيبويه عند ما يذكر الفاعل و المفعول:كأنّهم يقدّمون الّذي بيانه أهمّ و هم ببيانه أعنى،و إن كانا معا يهمّانهم مثاله إذا أرادوا الإخبار عن قتل شخص خارجيّ لا من حيث هو شخص معيّن قالوا قتل الخارجيّ زيد،و إذا صدر عن بعض الفضلاء قبيحة و أرادوا الإخبار عن ذلك قدّموا اسمه على فعله لأنّ ذكره أوّلا ثمّ نسبة الفعل إليه أوقع في النفوس من العكس فكان عند المخبر أهمّ.و لتذكر ما يهمّ تقديمه و ما لا يهمّ في الاستفهام و الخبر و النفي.
البحث الثاني في التقديم و التأخير في الاستفهام:
المذكور عقيب حرف الاستفهام إمّا الفعل أو الاسم فإن كان الأوّل كان هو المشكوك في وجوده و المسئول عن معرفته مثاله قولك أبنا زيد داره فإنّ السؤال واقع عن وجود البناء و الشكّ في وجوده،و إن كان الثاني فالسؤال واقع عن تعيين الفاعل كقولك أنت بنيت هذه الدار،ثمّ الاستفهام قد يجيء للإنكار تارة و للتقرير اخرى و الحال فيهما ما ذكرناه أمّا الإنكار فكقوله تعالى «أَ فَأَصْفٰاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ» «أَصْطَفَى الْبَنٰاتِ عَلَى الْبَنِينَ» ١و الإنكار هاهنا للفعل فإذا قدّم الاسم كان الإنكار للفاعل كقولك لمن انتحل شعرا أ أنت قلت هذا الشعر،و أمّا التقرير فكقوله تعالى «أَ خَرَقْتَهٰا لِتُغْرِقَ أَهْلَهٰا» - «أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ» ٢فإنّ المقصود تقرير الخرق و القتل عليه تمهيدا لتوجّه اللوم إليه،و أمّا تقديم الاسم فكقولك أ أنت الّذي قتلت زيدا فإنّه سؤال على سبيل التقرير لتعيينه للقتل،و اعلم أنّ حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل فإذا