شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٥٣ - كيفيّة خلق الأفلاك و السماوات
الكواكب و نقصان أعدادها،و معلوم أنّه لم يوجد ذلك النقصان البتّة،و الثاني أنّه يشكل بقوله تعالى«انا «زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِمَصٰابِيحَ وَ جَعَلْنٰاهٰا رُجُوماً لِلشَّيٰاطِينِ» فإنّه نصّ على كون الشهب الّتي جعلت رجوما للشياطين هى تلك المصابيح و الكواكب الّتي زيّنت بها السماء لأنّا نجيب عن الأوّل بأنّه لا تنافي بين ظاهر الآية و بين ما ذكرناه،و ذلك أنّ السماء الدنيا لمّا كانت لا تحجب ضوء الكواكب و كانت أوهام الخلق حاكمة عند النظر إلى السماء و مشاهدة الكواكب بكونها مزيّنة بها لا جرم صحّ قوله تعالى «إِنّٰا زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِزِينَةٍ الْكَوٰاكِبِ» لأنّ الزينة بها إنّما هى بالنسبة إلي أوهام الخلق للسماء الدنيا،و عن الثاني أنّا نقول:هذه الشهب غير تلك الثواتب الباقية فأمّا قوله: «زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِمَصٰابِيحَ وَ جَعَلْنٰاهٰا رُجُوماً لِلشَّيٰاطِينِ» فنقول:كلّ مضيء حصل في الجوّ العالى أو في السماء فهو مصباح لأهل الأرض إلاّ أنّ تلك المصابيح منها باقية على طول الزمان و هو الثوابت و منها متغيّرة و هي هذه الشهب الّتي يحدثها اللّه تعالى و يجعلها رجوما للشياطين و يصدق عليها أنها زينة للسماء أيضا باالنسبة إلى أوهامها و بالله التوفيق .
[قوله ثمّ فتق ما بين السماوات و العلى إلى قوله و لا يشيرون إليه بالنظائر]
قوله ثمّ فتق ما بين السماوات العلى إلى قوله و لا يشيرون إليه بالنظائر ،و فيه أبحاث.
البحث الأوّل-هذا الفصل أيضا من تمام التفسير
لقوله فسوّى منه سبع سماوات إذ كان ما أشار إليه هاهنا من فتق السماوات إلى طبقاتها و إسكان كلّ طبقة منها ملاء معيّنا من ملائكته هو من تمام التسوية و التعديل لعالم السماوات فإن قلت:لم أخّر ذكر فتق السماوات و إسكان الملائكة لها عن ذكر إجراء الشمس و القمر فيها و تزيينها بالكواكب،و معلوم أنّ فتقها متقدّم على اختصاص بعضها ببعض الكواكب.قلت:إنّ إشارته عليه السّلام إلى تسوية السماوات إشارة جمليّة فكأنّه قدّر أوّلا أنّ اللّه خلق السماوات كرة واحدة كما عليه بعض المفسّرين لقوله تعالى «أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً» ثمّ ذكر علياهنّ و سفلاهنّ لجريانهما مجرى السطحين الداخل و الخارج لتلك الكرة،ثمّ أشار إلى بعض كمالاتها و هى الكواكب و الشمس و القمر جملة،ثمّ بعد ذلك أراد التفصيل فأشار إلى تفصيلها و تمييز بعضها عن بعض بالفتق،و إسكان كلّ واحدة منهنّ ملاء معيّنا من الملائكة ثمّ عقّب