شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٤ - بيان كونه تعالى بصيرا
الأمثال ،
و لنرجع إلى المعنى
فنقول:
[أنشأ الخلق إنشاء و ابتدئه ابتداء ]
انشاء الخلق إنشاء و ابتدئه ابتداء يشير إلى كيفيّة، إيجاد الخلق على الجملة عن قدرة اللّه تعالى بعد أن ينبّه على أصل الإيجاد بقوله فطر الخلائق بقدرته و أتى بالمصدرين بعد الفعلين تأكيدا لنسبة الفعلين إلي اللّه تعالى و صدق هاتين القضيّتين ظاهر فإنّ الباري تعالى لمّا لم يكن مسبوقا بغيره لا جرم صدق الإنشاء منه،و لمّا لم يكن العالم موجودا قبل وجوده لا جرم صدق ابتداؤه له .
[قوله بلا رويّة أجالها و لا تجربة استفادها و لا حركة أحدثها و لا همامة نفس اضطرب فيها.]
قوله بلا رويّة أجالها و لا تجربة استفادها و لا حركة أحدثها و لا همامة نفس اضطرب فيها.
أقول:لمّا كانت هذه الكيفيّات الأربع من شرائط علوم الناس و أفعالهم الّتي لا يمكن حصولها إلاّ بها أراد تنزيه اللّه سبحانه عن أن يكون إيجاده للعالم موقوفا على شيء منها أمّا الرويّة و الفكر فلمّا كانت عبارة عن حركة القوّة المفكّرة في تحصيل مبادئ المطالب و الانتقال منها إليها أو عن تلك القوّة أيضا نفسها كان ذلك في حقّ اللّه تعالى محالا لوجهين:أحدهما أنّ القوّة المفكّرة من خواصّ نوع الإنسان،الثاني أنّ فائدتها تحصيل المطالب المجهولة و الجهل على اللّه تعالى محال،و أمّا التجربه فلمّا كانت عبارة عن حكم الفعل بأمر على أمر بواسطة مشاهدات متكرّرة معدّة لليقين بسبب انضمامه قياس خفيّ إليها و هو أنّه لو كان هذا الأمر اتّفاقيّا لمّا كان دائما و لا أكثريّا كان توقّف فعل اللّه تعالى على استفادة الأحكام منها محالا لوجهين:أحدهما أنّها مركّبة من مقتضى الحسّ و العقل، و ذلك أنّ الحسّ بعد مشاهدته وقوع الإسهال مثلا عقيب شرب الدواء مرّة و مرّة ينتزع العقل منها حكما كليّا بأنّ ذلك الدواء مسهل،و معلوم أنّ اجتماع الحسّ و العقل من خواصّ نوع الإنسان،الثاني أنّ التجربة إنّما يفيد علما لم يكن فالمحتاج إلى التجربة لاستفادة العلم بها ناقص بذاته مستكمل بها و المستكمل بالغير محتاج إليه فيكون ممكنا على ما مرّ و ذلك على اللّه محال،و أمّا الحركة فقد عرفت أنّها من خواصّ الأجسام و الباري سبحانه منزّه عن الجسميّة فيمتنع صدق المتحرّك عليه و إن صدق أنّه محرّك الكلّ لأنّ المتحرك ما قامت به الحركة و المحرّك أعمّ من ذلك،و أمّا الهمامة أو الهمّة فلمّا كانت مأخوذة من الاهتمام،و حقيقته الميل النفسانيّ الجازم إلى فعل الشيء مع التألّم و الغمّ