شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١١١ - وجه تقدم الصفات السلبيّة على الثبوتيّة في كلامه عليه السّلام
صلى اللّه عليه و آله بقوله:لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك،و في تخصيصه عليه السّلام القائلين دون المادحين بالذكر نوع لطف فإنّ القائل لمّا كان أعمّ من المادح و كان سلب العامّ مستلزما لسلب الخاصّ من غير عكس كان ذكر القائلين أبلغ في التنزيه إذا التقدير لا واحد من القائلين ببالغ مدحة اللّه سبحانه.
[قوله و لا يحصى نعماؤه العادّون .]
قوله و لا يحصى نعماؤه العادّون.
أقول:المراد أنّ جزئيّات نعم اللّه و أفرادها لا يحيط بها حصر الإنسان و عدّه لكثرتها و بيان هذا الحكم بالنقل و العقل أمّا النقل فقوله تعالى «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا» ١و هذه الآية هى منشأ هذا الحكم و مصدره،و أمّا العقل فلأنّ نعم اللّه تعالى على العبد منها ظاهرة و منها باطنة كما قال تعالى «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً» ٢و يكفينا في صدق هذا الحكم التنبيه على بعض جزئيّات نعم اللّه تعالى على العبد فنقول:إنّ من جملة نعمه تعالى على الإنسان أن أكرمه بملائكته و جعله مسجودا لهم و مخدوما،و جعلهم في ذلك على مراتب فلنذكر أقربهم إليه و أخصّهم به،و هم الملائكة الّذين يتولّون إصلاح بدنه و القيام بمهمّاته و حوائجه،و إن كانوا في ذلك أيضا على مراتب فجعل سبحانه لهم رئيسا هو له كالوزير الناصح المشفق من شأنه تمييز الأصلح و الأنفع له و الأمر به،و جعل بين يدي ذلك الوزير ملكا آخرا هو كالحاجب له و المتصرّف بين يديه من شأنه تمييز صداقة الأصدقاء للملك من عداوة الأعداء له،و جعل لذلك الحاجب ملكا خازنا يضبط عنه ما يتعرّفه من الامور ليطالعها الوزير عند الحاجة،ثمّ جعل بين يديه ملكين آخرين أحدهما ملك الغضب و هو كصاحب الشرطة موكّل بالخصومات و الغلبة و البطش و الانتقام،و الثاني ملك اللذّة و المتولّي لمشتهيات الإنسان بالطلب و الأمر بالاستحضار،و بين يديه ملائكة اخرى تسعى في تحصيل ما يأمر به و يطلبه،ثمّ جعله سبحانه وراء هؤلاء سبعة اخرى من الملائكة دأبهم إصلاح غذاء الإنسان،فالأوّل موكّل بجذب الغذاء إلى داخل المعدة إذ الغذاء لا يدخل بنفسه فإنّ الإنسان لو وضع اللقمة في فيه و لم يكن لها جاذب لم تدخل،و الثاني موكلّ بحفظه