شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٨٧ - فيما صدر عنه عليه السّلام من الإخبار بالأمور الغيبة و الملاحم
بالبدن ليس تعلّق انطباع فيه إنّما هو على وجه أنّها مدبّرة له مع تجرّدها،ثمّ إنّ الهيئات النفسانيّة قد تكون مبادئ لحدوث الحوادث،و بيانه أمّا أوّلا فلأنّك تشاهد إنسانا يمشي على جذع ممدود على الأرض و يتصرّف عليه كيف شاء و لو عرض ذلك الجذع بعينه على جدار عال لوجدته عند المشي عليه راجفا متزلزلا يواعده،وهمه بالسقوط مرّة بعد اخرى لتصوّره و انفعال بدنه عن وهمه حتّى ربّما سقط،و أمّا ثانيا فلأنّ الأمزجة تتغيّر عن العوارض النفسانيّة كثيرا كالغضب و الخوف و الحزن و الفرح و غير ذلك و هو ضروريّ، و أمّا ثالثا فلأنّ توهم المرض أو الصحّة قد يوجب ذلك و هو أيضا ضروريّ إذا عرفت ذلك فنقول:إنّه لمّا كانت الأمزجة قابله هذه الأنفعالات عن هذه الأحوال النفسانيّة فلا مانع أن يكون لبعض النفوس خاصيّة لأجلها تتمكّن من التصرّف في عنصر هذا العالم بحيث تكون نسبتها إلى كلّية العناصر كنسبة أنفسنا إلى أبداننا فيكون لها حينئذ تأثير في إعداد الموادّ العنصريّة لأن يفاض عليها صور الامور الغريبة الّتي تخرج عن وسع مثلها فإذا انضمّت إلى ذلك الرياضات فانكسرت صورة الشهوة و الغضب و بقيتا أسيرتين في يد القوّة العاقلة فلا شكّ أنّها حينئذ تكون أقوى على تلك الأفعال،و تلك الخاصيّة إمّا بحسب المزاج الأصلي أو بحسب مزاج طار غير مكتسب أو بحسب الكسب و الاجتهاد في الرياضة و تصفية النفس،و الّذي تكون بحسب المزاج الأصلي فذو المعجزات من الأنبياء أو الكرامات من الأولياء فإن انضمّ إليها الاجتهاد في الرياضة بلغت الغاية القصوى في ذلك الكمال،و قد يغلب على مزاج من له هذه الخاصيّة أن يستعملها في طرف الشرّ،و في الامور الخبيثة و كان يزكّي نفسه كالساحر فيمنعه خبثه عن الترقي إلى درجة الكمال.
و اعلم أنّ الشروط الأوّل لنبوّة أن يكون الشخص مأمورا من السماء بإصلاح النوع ثمّ من لواحق مرتبة الأولياء أمور.الأوّل أن يستغنوا في أكثر علومهم من معلّم بشري بل يحصل لهم بحسب قواهم الحدسيّة القدسيّة الشريفة البالغة و شدّة اتّصال نفوسهم بالحقّ سبحانه.الثاني أن يكون هيولى العالم طوعا لما أرادوا من الامور العجيبة الخارقة للعادة كالخسف و التحريكات و التسكينات.الثالث أن يتمكّنوا من الإخبار عن المغيبات و الامور الجزئيّة الواقعة إمّا في الماضي أو في المستقبل،و الشرط الأوّل و هو العمدة في تمييز درجة