شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٦ - حقيقة الاستعارة و أقسامها
استعارة لفظ المعقول للمحسوس و هو أن يجعل المعقول أصلا في التشبيه و يبالغ في تشبيه المحسوس به كقوله:فمنظرها شفاء من سقام و مخبرها حياة من حمام فإنّ الموضع المنظور إليه منهما لمّا شارك الشفاء في الالتذاذ الحاصل عنهما و كان الشفاء أولى بذلك بالغ في تشبيه المنظر به فأعاره اسمه و كذلك المخبر و هو محلّ الإخبار و هو إمّا أقوالها و أفعالها المحسوسة أو شيء آخر لمّا شارك الحياة في الالتذاذ الحاصل عنهما و كانت الحياة أولى به من المخبر بالغ في تشبيه المخبر بها فاستعار له لفظها.
الفصل الخامس في الكناية
و فيه بحثان.
البحث الأوّل في حقيقتها:
أمّا حقيقتها فاعلم أنّ اللفظة إذا اطلقت و أريد بها غير معناها فإمّا أن يراد بها مع ذلك معناها أو لا يراد،و الأوّل هو الكناية كقولك فلان طويل النجاد كثير رماد القدر فقولنا طويل ليس الغرض الأصلي به معناه بل ما يلزمه من طول القامة و كذلك المثال الآخر فإنّ المقصود منه ما يلزمه من إطعام الخلق و التكرّم عليهم فهذه هى الكناية في المفرد،و أمّا في المركّب فهى أن يحاول إثبات معنى من المعاني لشيء فيترك لتصريح بإثباته له و يثبته لمتعلّقه كقوله:
إنّ المروّة و
السماحة و الندى في قبّة ضربت على بن الحشرج
لمّا أراد إثبات هذه المعاني للممدوح لم يصرّح بها بل
عدل إلى ما ترى من الكناية فجعلها في قبّة ضربت عليه،و منه قولهم المجد بين ثوبيه
و الكرم بين برديه،و مثاله في جانب النفي قول من يصف امرأة بالعفّة.
تبيت بمنجاة من
اللوم بيتها إذا ما بيوت بالملامة حلّت
فتوّصل إلى نفي اللوم عنها بأن نفاه عن بيتها.
البحث الثاني في الفرق بينها و بين المجاز:
الفرق بينهما أنّ الكناية عبارة عن أن تذكر لفظة و تفيد بمعناها معنى ثانيا هو المقصود و إذا أفدت المقصود بمعنى اللفظ وجب أن يكون معناه معتبرا فلم تكن قد نقلت اللفظة عن موضوعها فليست مجازا مثاله إنّك إذا قلت فلان كثير الرماد فأنت تريد أن تجعل كثرة الرماد دليلا على جوده فقد استعملت هذه الألفاظ في معاينها الأصليّة و قصدت بكونه كثير الرماد معنى ثانيا يلزم الأوّل و هو