شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٤ - حقيقة الاستعارة و أقسامها
فلو لا أنّه أنسى نفسه أنّ هاهنا استعارة لما كان لهذا التعجّب معنى و مدار أكثر هذا النوع على التعجّب و قد يجيء على عكس مذهب التعجّب كقوله.
لا تعجبوا من بلى
غلالته قد زرّ أزراره على القمر
فقد ذكر كما ترى شيئا هو من خاصّة القمر فهو ينهاهم عن
التعجّب من بلى الكتان بسرعة و يقول إنّه قد زرّ على القمر و من شأن القمر ذلك و
هذا إنّما يتمّ بالجزم بكونه قمرا لأنّه لو اعترف بأنّه ليس بقمر و إنّما يشبه
القمر لبطل كلامه.
البحث الخامس في شرط حسن الاستعارة
-و اعلم أنّ الاستعارة إنّما تحسن بالمبالغة في التشبيه مع الإيجاز كقوله:أيا من رمى قلبي بسهم فأنفذ.لا كقول أبي تمام:
لا تسقني ماء
الملام فإنّني صبّ قد استغذيت ماء بكائي
فإنّ قوله ماء الملام ليس فيه لذاذة و لو أتى بالحقيقة
فقال لا تلمني لكان أوجز،و قد تكون الاستعارة عاميّة كقولك رأيت أسدا أو وردت بحرا
و قد يكون خاصيّة كقوله و سالت بأعناق المطي الأباطح-شبّه سيرها الحثيث و غاية
سرعته في لين و سلاسة بسبيل وقع في الأباطح فجرت به.
الركن الثاني في أقسام الاستعارة
و فيه أبحاث.
البحث الأوّل الاستعارة-قد تعتمد نفس التشبيه
كما إذا اشترك شيئان في وصف و هو في أحدهما أزيد فتعطي الناقص اسم الزائد كقولك رأيت أسدا و تريد رجلا شجاعا و عنّت لنا ظبية و تريد امرأة و قد تعتمد لوازم التشبيه و هو إذا كانت جهة الاشتراك إنّما يثبت كما لها في المستعار منه بواسطة أمر آخر فيثبت ذلك الأمر للمستعار له مبالغة في إثبات المشترك كقوله:إذا صبحت بيد الشمال زمامها،فالشمال في تصريف الغداة على حكم طبيعتها كالحيوان المنصرف إلاّ أنّ تصرّف الحيوان لمّا كان في أكثر الأحوال باليد كانت اليد كالآلة الّتي يكمل بها التصريف،و لمّا كان الغرض هاهنا إثبات التصرّف و هو لا يكمل إلاّ بثبوت اليد لا جرم أثبت للريح يدا تحقيقا للغرض و كذلك قوله:
إذا هزّة في عظم
قرن تهلّلت نواجذ أفواه المنايا الضواحك
لمّا شبّه المنايا عند هزّة السيف بالمسرور و كمال الفرح
إنّما يظهر بالضحك الّذي