شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٣١ - ٢٠-الخطبة ألقاها لموعظة الناس و حشّهم على التقوى
.
فإذن ظهر أن غاية كلّ إنسان أمامه إليها يسير و بها يصير .الثانية استعارة قوله و إنّ ورائكم الساعة تحدوكم ،و المراد بالساعة القيامة الصغرى و هي ضرورة الموت،فأمّا كونها ورائهم فلأنّ الإنسان لمّا كان بطبعه ينفر من الموت و يفرّ منه و كانت العادة في الهارب من الشيء أن يكون ورائه مهروب منه و كان الموت متأخّرا عن وجود الإنسان و لاحقا تاخّرا و لحوقا عقليّا أشبه المهروب منه المتأخّر اللاحق تأخّرا و لحوقا حسيّا،فلا جرم استعير لفظ الجهة المحسوسة و هي الوراء.و أمّا كونها تحدوهم فلأنّ الحادي لمّا كان من شأنه سوق الإبل بالحداء و كان تذكّر الموت و سماع نواد به مقلقا مزعجا للنفوس إلى الاستعداد لامور الآخرة و الاهبّة للقاء اللّه سبحانه فهو يحملها على قطع عقبات طريق الآخرة كما يحمل الحادي الإبل على قطع الطريق البعيدة الوعرة لا جرم أشبه الحادي فأسند الحداء إليه .الثالثة قوله تخفّفوا تلحقوا .و لمّا نبّههم بكون الغاية أمامهم و أنّ الساعة تحدوهم في سفر واجب و كان السابق إلى الغاية من ذلك السفر هو الفائز برضوان اللّه،و قد علمت أنّ التخفيف و قطع العلائق في الأسفار سبب للسبق و الفوز بلحوق السابقين لا جرم أمرهم بالتخفيف لغاية اللحوق في كلمتين:فالاولى منهما استعارة بالكناية قوله تخفّفوا و كنّى بهذا الأمر عن الزهد الحقيقيّ الّذي هو أقوى أسباب السلوك إلى اللّه سبحانه و هو عبارة عن حذف كلّ شاغل عن التوجّه إلى القبلة الحقيقيّة و الإعراض عن متاع الدنيا و طيّباتها و تنحية كلّ ما سوى الحقّ الأوّل عن مستن الإيثار فإنّ ذلك تخفيف لأثقال الأوزار المانعة عن الصعود في درجات الأبرار الموجبة لحلول دار البوار و هي كناية باللفظ المستعار،و هذا الأمر في معنى الشرط ،و الثانية قوله تلحقوا و هو جزاء الشرط أي أن تخفّفوا تلحقوا،و المراد تلحقوا بدرجات السابقين الّذين هم أولياء اللّه و الواصلون إلى ساحل عزّته،و ملازمة هذه الشرطيّة قد علمت بيانها فإنّ الجود الإلهيّ لا بخل فيه و لا قصور من جهته و الزهد الحقيقيّ أقوى أسباب السلوك إلى اللّه كما سبق فإذا استعدّت النفس بالإعراض عمّا سوى الحقّ سبحانه و توجّهت إلى استشراق أنوار كبريائه فلا بدّ أن يفاض عليها ما تقبله من الصورة التماميّة فيلحق بدرجة السابقين و يتّصل بساحل العزّة في مقام أمين .الرابعة استعارة فإنّما ينتظر بأوّلكم آخركم أي إنّما ينتظر بالبعث الأكبر و القيامة الكبرى للّذين ماتوا أوّلا وصول الباقين و موتهم،و تحقيق ذلك الانتظار أنّه لمّا كان نظر العناية الإلهيّة إلى الخلق نظرا واحدا و المطلوب