شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٤ - ١٦-و من كلام له عليه السّلام في ذمّ من يتصدّى للحكم بين الأمّة و ليس لذلك بأهل
المضادّ لليقين و صار ملكة من ملكاتها فيسود لوحها به عن قبول الأنوار الإلهيّة و صار ذلك حجابا بينها و بين الرحمة بحيث يكون ذلك الحجاب في القوّة و الشدّة أضعاف حجب التابعين له و المقتدين به الناشئة عن فتنته فإنّ تلك الحجب الطارية على قلوب التابعين مستندة إلى ذلك الحجاب و هو أصلها فلا جرم يكون وزره و سيّئته في قوّة أوزار أتباعه و سيّئاتهم الّتي حصلت بسبب إضلاله لا كلّ سيّئاتهم من كلّ جهة و لذلك قال تعالى «وَ مِنْ أَوْزٰارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ» أي بعض أوزارهم و هي الحاصلة بسبب المضلّين.و قال الواحدي:إنّ من في هذه الآية ليست للتبعيض بل لبيان الجنس و إلاّ لخفّ عن الأتباع بعض أوزارهم و ذلك يناقض قوله صلى اللّه عليه و آله من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.قلت:هذا و إن كان حسنا إلاّ أنّ الإلزام الّذي ذكره غير لازم على كونها للتبعيض لأنّ القائل بكونها كذلك يقول إنّ المراد و ليحملوا بعض أمثال أوزار التابعين لا بعض أعيان أوزارهم،و إذا فهمت ذلك في جانب السيّئات فافهم مثله في جانب الحسنات و هو أنّ الواضع لحسنة و هدى يهتدى به إنّما تصدر عن نفس ذات صفاء و إشراق فأشرق على غيرها من النفوس التابعة لها فاستضائت به و تلك السنّة المأخوذة من جملة أنوارها الفائضة عنها على نفس اقتبسها فكان للنفس المتبوعة من الاستكمال بنور اللّه الّذي هو رأس كلّ هدى ما هو في قوّة جميع الأنوار المقتبسة عن تلك السنّة و مثل لها فكان لها من الأجر و الثواب مثل ما للتابعين لها من غير نقصان في أجر التابعين و هداهم الحاصل لهم،و إلى هذا المعنى الإشارة الواردة في الخبر إنّ حسنات الظالم تنقل إلى ديوان المظلوم،و سيّئات المظلوم تنقل إلى ديوان الظالم فإنّك إن علمت أنّ السيّئة و الحسنة أعراض لا يمكن نقلها من محلّ إلى محلّ فليس ذلك نقلا حقيقيّا بل على وجه الاستعارة كما يقال:انتقلت الخلافة من فلان إلى غيره،و إنّما المقصود عن نقل سيّئات المظلوم إلى الظالم حصول أمثالها في قلب الظالم و نقل حسنات الظالم إلى المظلوم حصول أمثالها في قلبه،و ذلك لأنّ للطاعة تأثيرا في النفس بالتنوير،و للمعاصي تأثيرا بالقسوة و الظلمة و بأنوار الطاعه تستحكم مناسبة النفس من استعدادها لقبول المعارف الإلهيّة و مشاهدة حضرة الربوبيّة،و بالقسوة و الظلمة تستعدّ للبعد و الحجاب عن مشاهدة الجمال الإلهيّ فالطاعة مولّدة لذّة المشاهدة بواسطة الصفاء و النور الّذي يحدث في النفس،و المعصية مولّدة للحجاب بواسطة القسوة و الظلمة