شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧٥ - إرشاد المخالف إلى طريق الحقّ
و أقبحها،فهو في الحقيقة كمن أقدم على ذلك بغير رأي يحضره أو لأنّ الرأى الحقّ كان غاربا عنه،و هو ذم في معرض التوبيخ للقوم على طريقة قولهم إيّاك أعني و اسمعي يا جارة.
قوله ما شككت في الحقّ مذ اريته .بيان لبعض أسباب وجوب اتّباعه و عدم التخلّف عنه،و اعلم أنّ التمدح بعد الشكّ ممّا أراه اللّه من الحقّ و ما أفاضه على نفسه القدسيّة من الكمال مستلزم للإخبار بكمال قوّته على استثبات الحقّ الّذي رآه و شدّة جلائه له بحيث لا يعرض له شبهة فيه،و الإماميّة تستدلّ بذلك على وجوب عصمته و طهارته عن الأرجاس الّتي منشأوها ضعف اليقين.
قوله لم يوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهّال و دول الضلاّل .أشفق أفعل التفضيل منصوب على الصفة لخيفة لأنّ الإشفاق خوف،و التقدير و لم يوجس موسى إشفاقا على نفسه أشدّ من غلبة الجهّال،و المقصود التنبيه على أنّ الخوف الّذي يخافه عليه السّلام منهم ليس على مجرّد نفسه بل كان أشدّ خوفه من غلبة أهل الجهل على الدين و فتنة الخلق بهم و قيام دول الضلاّل،فتعمى طريق الهدى و تنسدّ مسالك الحقّ كما خاف موسى عليه السّلام من غلبة جهّال السحرة حيث ألقوا حبالهم و عصيّهم« «وَ قٰالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّٰا لَنَحْنُ الْغٰالِبُونَ» »و قيل إنّ أشفق فعل ماض و المعنى أنّ خوف موسى عليه السّلام من السحرة لم يكن على نفسه،و إنّما خاف من غلبة الجهّال فكأنّه قال لكن أشفق و إنّما الشفق،و دول الضلاّل كدولة فرعون و أتباعه الضالّين عن سبيل اللّه،و قوله اليوم توافقنا على سبيل الحقّ و الباطل الموافقة مفاعلة من الطرفين و الخطاب لمقابليه في القتال،و المراد أنّي واقف على سبيل الحقّ و أنتم واقفون على سبيل الباطل داعون إليه و هو تنفير لهم عمّا هم عليه إلى ما هو عليه .
كناية قوله من وثق بماء لم يظمأ .مثل نبّه به على وجوب الثقة بما عنده أي إنّكم إن سكنتم إلى قولي و وثقتم به كنتم أقرب إلى اليقين و الهدى و أبعد عن الضلال و الردى كما أنّ الواثق بالماء في أداوته آمن من العطش و خوف الهلاك و بعيد عنهما بخلاف من لم يثق بذلك و كنّى بالماء عمّا اشتمل عليه من العلم بكيفيّة الهداية إلى اللّه فإنّه الماء الّذي لا ظمأ معه ،