شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٦٨ - في ما حمله على قبول الأمر و القيام به
أكمل،و أنّ عنايته في جملة النبات أكمل،ثمّ إذا علمت أنّه إنّما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوانات علمت أنّ عنايته في خلق الحيوان أكمل،و إذا علمت أنّ المقصود من خلق الحيوان إنّما هو الإنسان علمت أنّ الإنسان هو أعزّ مخلوقات هذا العالم عند اللّه و أكرمه عليه و أنّه قد أكرمه بأنواع الإكرام كما قال تعالى «وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ» الآية «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا» و أمّا النسمة فعليك في مطالعة عجائب صنع اللّه ببدن الإنسان بكتب التشريح،و قد أشرنا إلى طرف من ذلك في الخطبة الاولى.إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه عليه السّلام ذكر من تلك الأعذار ثلاثة:أحدها حضور الحاضرين لمبايعته، و الثاني قيام الحجّة عليه بوجود الناصر له في طلب الحقّ لو ترك القيام،الثالث ما أخذ اللّه على العلماء من العهد على إنكار المنكرات و قمع الظالمين و دفع الظلامات عند التمكّن و العذران الأوّلان هما شرطان في الثالث إذ لا ينعقد و لا يجب إنكار المنكر بدونهما كناية و كنّى بكظّة الظالم عن قوّة ظلمه و بسغب المظلوم عن قوّة ظلامته.
استعارة بالكناية قوله لألقيت حبلها على غاربها .استعارة وصف من أوصاف الناقة للخلافة أو للامّة كنّى بها عن تركه لها و إهماله لأمرها ثانيا كإهماله أوّلا،و لمّا استعار لها لفظ الغارب جعل لها حبلا تلقى عليه و هو من ترشيح الاستعارة و أصله أنّ الناقة يلقى زمامها على غاربها و تترك لترعى.
استعارة مرشحة قوله و لسقيت آخرها بكأس أوّلها ،استعار لفظ السقى للترك المذكور أيضا و رشّح تلك الاستعارة بذكر الكأس،و وجه تلك الاستعارة أنّ السقى بالكأس لمّا كان مستلزما لوجود السكر غالبا و كان إعراضه أوّلا مستلزما لوقوع الناس فيما ذكر من الطخية العمياء المستلزمة لحيرة كثير من الخلق و ضلالهم الّذي يشبه السكر و أشدّ منه لا جرم حسن أن يعبّر عن ذلك الترك بالسقي بالكأس.
قوله و لألفيتم دنياكم هذه أهون عندى من عطفة عنز عطف على ما قبله و يفهم منه أنّه عليه السّلام طالب للدنيا و لها عنده قيمة إلاّ أنّ طلبه لها و الحرص على الإمرة فيها ليس لأنّها هي،بل لما ذكرنا من نظام الخلق و إجراء امورهم على القانون العدل المأخوذ على العلماء كما أشار إليه،و نظم هذا الكلام في صورة متّصلة هكذا:لو لم يحضر الحاضر،و