شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٣٤ - ذكر بعض ما يشتمل عليه المناسك من الحكمة
هذه الدعوة و انقياد الخلق لها و قصور الطبع عن ذلك،و بقول الحقّ سبحانه و علىّ البلاغ الإشارة إلى تأييد اللّه سبحانه بما أوحى إليه من العلم ببسط دعوته و إبلاغها إلى من علم بلوغها إليه،و بعلوّ إبراهيم المقام حتّى صار كأطول الجبال،و إقباله بوجهه يمينا و شمالا و شرقا و غربا و دعوته إشارة إلى اجتهاده في التبليغ للدعوة و جذب الخلق إلى هذه العبادة بحسب إمكانه و استعانته في ذلك بأولياء اللّه التابعين له،و أمّا إجابة من كان في أصلاب الرجال و أرحام النساء له فإشارة إلى ما كتبه اللّه سبحانه بقلم قضائه في اللوح المحفوظ من طاعة الخلق و إجابتهم لهذه الدعوة على لسان إبراهيم عليه السّلام و من بعده من الأنبياء و هم المراد بالسماع الّذين اختارهم اللّه سبحانه من خلقه حتّى أجابوا دعوته إلى بيته بحجّهم إليه بعد ما أهّلهم لذلك قرنا بعد قرن و امّة بعد اخرى ،و قوله و صدّقوا كلمته إشاره إلى مطابقة أفعالهم لما جاءت به الأنبياء من كلام اللّه سبحانه و عدم مخالفتهم و تكذيبهم لهم،و قوله و وقفوا مواقف الأنبياء إشارة إلى متابعتهم لهم أيضا في مواقف الحجّ و في ذكر الأنبياء هاهنا استدراج حسن للطباع اللطيفة المتشوّقة إلى لقاء اللّه و التشبّه بأنبيائه عليهم السّلام و ملائكته و قوله و تشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه إشارة إلى ما ذكرناه من أنّ البيت المعمور بإزاء الكعبة في السماء و أنّ طواف الخلق بهذا البيت يشبه طواف الملائكة و إحداقهم بالبيت المعمور و العرش فهم متشبّهون بالملائكة في الطواف،و الغاية أن يترقّي من أخذ العناية بيده من هذا الطواف إلى أن يصير من الطائفين بالعرش و البيت المعمور ، تشبيه و قوله يحرزون الأرباح في متجر عبادته و يبادرون عنده موعد مغفرته شبّه عليه السّلام العبادة بالبضاعة الّتي يتّجر بها فالتاجر هو النفس و رأس المال هو العقل،و وجوه تصرّفاته حركاته و سكناته الحسيّة و العقليّة المطلوبة منه بالأوامر الشرعيّة و العقليّة و الأرباح هي ثواب اللّه و ما أعدّه للمحسنين في جنّات النعيم و أقبح بمملوك يعدّ تصرّفه في خدمة سيّده متجرا يطلب به التكسّب و الربح و أحسن به إذا نظر إلى أنّه أهل العبادة فحذف جميع الأعراض و الخواطر في خدمته عن درجة الاعتبار و جعلها خالصة له لأنّه هو فأمّا كلامه عليه السّلام بذكر الربح هاهنا فاستدراج حسن لطباع الخلق بما يفهمونه و يميلون إليه من حبّ الأرباح في الحركات ليشتاقوا فيعبدوا ،و قوله و جعله للإسلام علما أي علما للطريق إلى اللّه و سلوك صراطه المستقيم،و هي الإسلام الحقيقيّ يهتدي عليها كما يهتدي بالعلم المرفوع