شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٦٧ - في أصناف الملائكة
قاصرة عن التعلّق بمثل مقدورات اللّه و مبدعاته واقفة دون جلاله و عظمته في صنعه لا جرم أشبه ذلك قبض الأجنحة المشبّه للتلفّع بالثوب فاستعار عليه السلام لفظ التلفّع أيضا و كنّى به عن كمال خضوعهم و انقهارهم تحت سلطان الله و قوّته و المشاهدة في صورة عرشه.فإن قلت:إنّك بيّنت أنّ المراد بالركوع هم حملة العرش فكيف يستقيم مع ذلك أن يقال إنّ هذا القسم هم حملة العرش أيضا فإنّ من كان أقدامهم في تخوم الأرضين،و أعناقهم خارجة من السماوات السبع و من الكرسيّ و العرش كيف يكون مع ذلك راكعا؟قلت:الجواب عنه قد سبق في قوله و منهم امناء على وحيه فإنّ الركوع أيضا المقصود منه الخشوع لعزّ اللّه و عظمته و ذلك غير مناف للأوصاف المذكورة هاهنا ،و باللّه التوفيق .
قوله مضروبة بينهم و بين من دونهم حجب العزّة و أستار القدرة إشارة إلى أنّ الآلات البشريّة قاصرة عن إدراكهم و الوصول إليهم،و ذلك لتنزّههم عن الجسميّة و الجهة و قربهم من عزّة مبدعهم الأوّل جلّ جلاله،و بعد القوى الإنسانيّة عن الوقوف على أطوارهم المختلفة و مراتبهم المتفاوتة،و إذا كان الحال في الملك العظيم من ملوك الدنيا إذا بلغ في التعزّز و التعظيم إلى حيث لا يراه إلاّ أجلاء خواصّه،و كان الحال أيضا في بعض خواصّه كذلك كالوزير و الحاجب و النديم فإنّهم لا يصل إليهم كلّ الناس بل لا يصل إليهم إلاّ من كانت له إليهم وسيلة تامّة و علاقة قويّة و كان منشأ ذلك إنّما هو عظمة الملك و هيبته و قربهم منه فكان الحائل بينهم و بين غيرهم إنّما هو حجب عزّة الملك و أستار قدرته و قهره،فكيف الحال في جبّار الجبابرة و مالك الدنيا و الآخرة،و حال ملائكته المقرّبين و من يليهم من حملة العرش الروحانييّن،فبالحريّ أن ينسب عدم وصول قوانا الضعيفة إليهم و إدراكها لمراتبهم إلى حجب عزّة اللّه و عظمته لهم و كمال ملكه و تمام قدرته و ما أهلّهم له من قربه و مطالعة أنوار كبريائه عزّ سلطانه و «اللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » .
قوله و لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير إشارة إلى تنزيههم عن الإدراكات الوهميّة و الخياليّة في حقّ مبدعهم عزّ سلطانه إذ كان الوهم إنّما يتعلّق بالامور المحسوسة ذات الصور و الأحياز و المحالّ الجسمانيّة فالوهم و إن أرسل طرفه إلى قبلة وجوب الوجود و بالغ في تقليب حدقه فلن يرجع إلاّ بمعنى جزئيّ يتعلّق بمحسوس حتّى أنّه لا يقدر نفسه و لا يدركها إلاّ ذات مقدار و حجم،و لمّا كان الوهم من خواصّ المزاج الحيوانيّ لا جرم سلب