تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٨
إلى النّاس كافة من جهة اُخرى، وعليه، فهذا التّفسير بعيد عن مرام الآية.
وعلى آية حال، فعدم استقرار الإنسان على حال ثابتة يدلل على فقر الإنسان واحتياجه، لأنّ كلّ متغيّر حادث، وكلّ حادث له محدث، كما وإنّ عدم استقرار هذا العالم علامة على حركة الإنسان المستمرة نحو اللّه والمعاد، وكما قالت الآية: (
يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه
).ومن كلّ ما سبق.. يخرج القرآن الكريم بنتيجة: (
فما لهم لا يؤمنون
).فمع وضوح أدلة الحق، مثل أدلة: التوحيد، معرفة اللّه، المعاد، بالإضافة إلى ما من الآفاق في آيات مثل: خلق... الليل والنهار، الشمس والقمر، النور والظلمة، شروق الشمس وغروبها، الشفق، ظلمة الليل، اكتمال القمر بدراً، وكذلك الآيات التي في نفس الإنسان منذ أن يكون نطفة في رحم اُمّه، وما يطويه من مراحل حتى يكتمل جنيناً، مروراً بما يمرّ به من حالات في حياته الدنيا، حتى يدركه الموت.. فمع وجود كل هذه الأدلة والآيات لِمَ لا يؤمنون؟!..
وينتقل بنا العرض القرآني من كتاب (التكوين) إلى كتاب (التدوين)، فيقول: (
وإذا قريء عليهم القرآن لا يسجدون
).القرآن كالشمس يحمل دليل صدقه بنفسه، وتتلألأ أنوار الإعجاز من بين جنباته، ويشهد محتواه على أنّه من الوحي الإلهي وكل منصف يدرك جيداً لدى قراءته له أنّه فوق نتاجات عقول البشر ولا يمكن أن يصدر من انسان مهما كان عالماً، فكيف بإنسان لم يتلق تعليماً قط وقد نشأ في بيئة جاهلية موبوءة بالخرافات!...
ويراد بـ «السجود» هنا: الخضوع والتسليم والطاعة[١]، أمّا السجود المتبادر[١] ـ ومن الشواهد على هذا المعنى، بالاضافة إلى شهادة الآيات السابقة واللاحقة، إنّ السجود بمعنى وضع الجبين على الأرض عند تلاوة القرآن إنّما يجب في مواضع محدودة جدّاً ويستحب في مواضع اُخرى، وفي مواضع اُخرى لا هو بالواجب ولا بالمستحب ـ وحينما تقول الآية: (وإذا قريء القرآن لا يسجدون) فقد اُطلقت القول، والإطلاق والحال هذه يراد به التسليم للقرآن.