دانشنامه امام مهدى بر پايه قرآن، حديث و تاريخ - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٨٠ - ١/ ١٦ مادر امام مهدىعليه السلام
مُتَقاطِرَةٍ وزَفَراتٍ مُتَتابِعَةٍ، وقَد حَجَبَ الدَّمعُ طَرفي عَنِ النَّظَرِ.
فَلَمّا رَقَأَتِ العَبرَةُ وَانقَطَعَ النَّحيبُ، فَتَحتُ بَصَري فَإِذا أنَا بِشَيخٍ قَدِ انحَنى صُلبُهُ، وتَقَوَّسَ مَنكِباهُ، وثَفِنَت جَبهَتُهُ وراحَتاهُ، وهُوَ يَقولُ لِآخَرَ مَعَهُ عِندَ القَبرِ:
يَابنَ أخي، لَقَد نالَ عَمُّكَ شَرَفاً بِما حَمَّلَهُ السَّيِّدانِ مِن غَوامِضِ الغُيوبِ، وشَرائِفِ العُلومِ الَّتي لَم يَحمِل مِثلَها إلّاسَلمانُ، وقَد أشرَفَ عَمُّكَ عَلَى استِكمالِ المُدَّةِ وَانقِضاءِ العُمُرِ، ولَيسَ يَجِدُ في أهلِ الوِلايَةِ رَجُلًا يُفضي إلَيهِ بِسِرِّهِ.
قُلتُ: يا نَفسُ، لا يَزالُ العَناءُ وَالمَشَقَّةُ يَنالانِ مِنكِ بِإِتعابِيَ الخُفَّ وَالحافِرَ في طَلَبِ العِلمِ، وقَد قَرَعَ سَمعي مِن هذَا الشَّيخِ لَفظٌ يَدُلُّ عَلى عِلمٍ جَسيمٍ وأَثَرٍ عَظيمٍ، فَقُلتُ: أيُّهَا الشَّيخُ ومَنِ السَّيِّدانِ؟ قالَ: النَّجمانِ المُغَيِّبانِ فِي الثَّرى بِسُرَّ مَن رَأى، فَقُلتُ: إنّي اقسِمُ بِالمُوالاةِ، وشَرَفِ مَحَلِّ هذَينِ السَّيِّدَينِ مِنَ الإِمامَةِ وَالوِراثَةِ، إنّي خاطِبٌ عِلمَهُما، وطالِبٌ آثارَهُما، وباذِلٌ مِن نَفسِي الأَيمانَ المُؤَكَّدَةَ عَلى حِفظِ أسرارِهِما.
قالَ: إن كُنتَ صادِقاً فيما تَقولُ، فَأَحضِر ما صَحِبَكَ مِنَ الآثارِ عَن نَقَلَةِ أخبارِهِم، فَلَمّا فَتَّشَ الكُتُبَ وتَصَفَّحَ الرِّواياتِ مِنها، قالَ: صَدَقتَ، أنَا بِشرُ بنُ سُلَيمانَ النَّخّاسُ[١] مِن وُلدِ أبي أيّوبَ الأَنصارِيِّ، أحَدُ مَوالي أبِي الحَسَنِ وأَبي مُحَمَّدٍ عليهما السلام، وجارُهُما بِسُرَّ مَن رَأى، قُلتُ: فَأَكرِم أخاكَ بِبَعضِ ما شاهَدتَ مِن آثارِهِما، قالَ:
كانَ مَولانا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ العَسكَرِيُّ عليهما السلام فَقَّهَني في أمرِ الرَّقيقِ، فَكُنتُ لا أبتاعُ ولا أبيعُ إلّابِإِذنِهِ، فَاجتَنَبتُ بِذلِكَ مَوارِدَ الشُّبُهاتِ حَتّى كَمُلَت مَعرِفَتي فيهِ، فَأَحسَنتُ الفَرقَ (فيما) بَينَ الحَلالِ وَالحَرامِ.
[١]. النخَّاسُ: هو دلّال الدوابِّ والرقيق( مجمع البحرين: ج ٣ ص ١٧٦٢« نخس»).