رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٢٦ - المقام الثاني الكتابة والمباني المختلفة في حقيقة الإنشاء
ومحلّ الكلام فيما إذا كتب الكاتب ما يعلمه ويرسله إلى القاضي، فهل هي حجّة للحاكم أم لا؟ أمّا البحث في أنّه هل يجوز للشخص أن يكتب ما يعلمه ويرسله إلى القاضي فليس بمهمّ، إلّاأنّه في معرض التهمة على الحرص على الأداء، وهو خارج عن محلّ البحث.
والشيخ رحمه الله في الخلاف لم يتعرّض لهذا الفرع، بل إنّما تعرّض لفروع أُخر شبيهة أو قريبة إلى هذا الفرع، فقال في آداب القضاء:
إذا ارتفع إليه خصمان، فذكر المدّعي أنّ حجّته في ديوان الحكم، فأخرجها الحاكم من ديوان الحكم مختومة بختمه، مكتوبة بخطّه، فإن ذكر أنّه حكم بذلك حُكم له، وإن لم يذكر ذلك لم يحكم له به، وبه قال أبو حنيفة ومحمّد والشافعي. وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يعمل عليه ويُحكم به وإن لم يذكره؛ لأنّه إذا كان بخطّه مختوماً بختمه، فلا يكون إلّاحكمه.
دليلنا قوله- تعالى-: وَ لَاتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِى عِلْمٌ [١]، فإذا لم يذكره لميعلم؛ ولأنّالحكمأعلى من الشهادة، بدلالة أنّ الحاكم يلزم والشاهد يشهد.
ثمّ ثبت أنّ الشاهد لو وجد شهادته تحت ختمه مكتوبة بخطّه لم يشهد بها ما لميذكر، فبأن لا يحكم بها إذا لم يذكر أولى وأحرى؛ ولأنّ الخطّ يشبه الخطّ، ومعناه أنّه قد يكتب مثل خطّه، ويحتال عليه، ويتركه في ديوانه، فلا يجوز قبول ذلك إلّامع العلم [٢].
ويستفاد من هذه العبارة، أنّ نفس الكتابة غير حجّة لدى القاضي؛ بمعنى: أنّ ما كتبه القاضي ولو ختم بختمه ما لم يذكر أنّه حكم بذلك الحكم، فليس بحجّة، خلافاً لابن أبي ليلى وأبي يوسف، واستدلّ على ذلك بقوله- تعالى-:
وَ لَاتَقْفُ مَا
[١] سورة الإسراء ١٧: ٣٦.
[٢] الخلاف ٦: ٢٢٢.