تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢
وعملوا الصالحات لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير
).وأيّ فوز أرقى وأسمى من الوصول إلى جوار اللّه، والتمتع في نعيمه الذي لا يوصف! نعم، فمفتاح ذلك الفوز العظيم هو (الإيمان والعمل الصالح)، وما عداه فروع لهذا الأصل.
(
عملوا الصالحات
): إشارة إلى أنّ العمل الصالح لا يختص بشيء محدد، بل ينبغي أن يكون محور حياة الإنسان هو: «العمل الصالح».«ذلك»: إشارة للبعيد، واستعملت هنا لتبيان عظمة وأهمية المشار إليه، أيّ: إنّ فوزهم الكبير من عظمة الشأن، بقدر لا يخطر على بال أحد.
ويعود القرآن مرّة اُخرى لتهديد الكفار الذين يفتنون المؤمنين، فيقول: (
إنّ بطش ربّك لشديد
).ولا تظنوا بأن القيامة أمر خيالي، أو إنّ المعاد من الاُمور التي يشك في صحة تحققها، بل: (
إنّه هو يُبديء ويعيد
).«البطش»: تناول الشيء بصولة وقهر، وباعتباره مقدّمة للعقاب، فقد استعمل بمعنى العقاب والمجازاة.
«ربّك»: تسلية للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتأكيد دعم اللّه اللامحدود له.
والجدير بالملاحظة، إنّ الآية تضمّنت جملة تأكيدات، لتبيان صرامة التهديد الإلهي بجدّية وقطع.
فـ «البطش» يحمل معنى الشدّة المؤكّدة، والجملة الإسمية عادةً ما تأتي للتأكيد، ووصف البطش بأنّه «شديد»، وكذا وجود «إن»، ووجود لام التأكيد في «لشديد»، هذا بالإضافة إلى التأكيد المتضمّن في قوله تعالى: (
إنّه يبديء ويعيد
)كدليل إجمالي على المعاد[١].[١] ـ وهذا يشبه دليل الآية (٧٩) من سورة «يس»: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرّة وهو بكل خلق عليم)، يقال: إنّ الفارابي تمنى لو كان أرسطو «الفيلسوف اليوناني المعروف» حيّاً ليرى جمال هذا الدليل المحكم في القرآن الكريم.