تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٥
الصفات ذوو بركة لأنفسهم ولمجتمعهم.
ثمّ تتعرض الآية لتصوير حالة الفاشلين في إجتياز «العقبة» فتقول:
(
والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة
).و«المشئمة» من «الشؤم» تقابل «الميمنة» من «اليُمن»، أي إنّ هؤلاء الكافرين مشؤومون لا يُمن فيهم ولا بركة، بل هم عامل شقاء لأنفسهم ولمجتمعهم ثمّ إنّ علامة شؤم الفرد يوم القيامة تسلّمه صحيفة أعماله بيده اليسرى، ومن هنا ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ «المشئمة» هي اليسار مقابل اليمين، أي إنّ الذين كفروا بآيات اللّه الذين يتسلمون صحائف أعمالهم بيدهم اليسرى خاصّة وأنّ مادة «شؤم» جاءت في اللغة بمعنى اليسار أيضاً[١].
وفي الآية الأخيرة من السّورة إشارة قصيرة ذات دلالة عميقة إلى جزاء هذه الفئة الأخيرة: (
عليهم نار مؤصدة
).و«الإيصاد» إحكام الغلق، وواضح أنّ الإنسان ـ حين يكون في غرفة حارّة الجوّ ـ يتوق إلى فتح أبوابها، ليهبّ عليه نسيم يلطف الهواء، فما بالك إذا كان في محرقة جهنّم والأبواب كلها موصدة عليه؟!
اللّهم! قنا عذاب جهنّم إنّ عذابها كان غراماً...
اللّهم! وفقنا لإجتياز ما يعتري طريقنا من عقبات.. ولا توفيق إلاّ بك.
اللّهم! اجعلنا من أصحاب الميمنة: واحشرنا مع الصالحين والأبرار.
آمين يا ربّ العالمين
نهاية سورة البلد
* * *
[١] ـ تفسير أبي الفتوح الرازي، ج١٢، ص٩٧، ولسان العرب، مادة شأم.
سُورَة الشّمس مَكيَّة
وَعَدَدُ آيَآتِهَا خَمس عَشرَة آية
«سورة الشّمس» محتوى السّورة هذه السّورة هي في الواقع سورة تهذيب النفس، وتطهير القلوب من الأدران، ومعانيها تدور حول هذا الهدف، وفي مقدمتها قسم بأحد عشر مظهراً من مظاهر الخليقة وبذات الباري سبحانه، من أجل التأكيد على أن فلاح الإنسان يتوقف على تزكية نفسه، والسّورة فيها من القسم ما لم يجتمع في سورة اُخرى.
وفي المقطع الأخير من السّورة ذكر لقوم «ثمود» باعتبارهم نموذجاً من أقوام طغت وتمردت، وانحدرت ـ بسبب ترك تزكية نفسها ـ إلى هاوية الشقاء الأبدي، والعقاب الإلهي الشديد.
وهذه السّورة القصيرة ـ في الواقع ـ تكشف عن مسألة مصيرية هامّة من مسائل البشرية، وتبيّن نظام القيم في الإسلام بالنسبة إلى أفراد البشر.
فضيلة السّورة: يكفي في تلاوة هذه السّورة أن نذكر حديثاً عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
«من قرأها فكأنّما تصدّق بكلّ شيء طلعت عليه الشمس والقمر»[١]
ومن المؤكّد أنّ هذه الفضيلة الكبرى لا ينالها إلاّ من استوعب محتواها بكلّ وجوده، ووضع مهمّة تهذيب النفس نصب عينيه دائماً.
* * *
[١] ـ مجمع البيان، ج١٠، ص٤٩٦.