مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١١٨ - الاولى النور ٦
و قد يستدلّ بظاهر الآية على أنّ الزّوج إذا كان أحد الشّهود الأربعة فإنّها تحدّ و لا لعان كما ذهب إليه بعض أصحابنا، إذ الزّوج على ذلك التّقدير له شهداء غير نفسه، و يؤيّده قوله تعالى «اللّٰاتِي يَأْتِينَ الْفٰاحِشَةَ مِنْ نِسٰائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» فانّ الظّاهر أنّ الخطاب للحاكم لأنّه المرجع في الشّهادة فيشتمل الزوج و غيره، و يدلّ على ذلك أيضا بعض الاخبار [١] و اليه يذهب الحنفيّة.
و ذهب جماعة من أصحابنا الى عدم جواز ذلك و أوجبوا في هذه الصّورة حدّ الثّلاثة و لعان الزّوج و عليه بعض الاخبار، [٢] و يؤيّده ظاهر قوله تعالى:
[١] كرواية إبراهيم بن نعيم عن الصادق (ع) رواه في التهذيب ج ٦، ص ٢٨٢، الرقم ٧٧٦، و الاستبصار ج ٣، ص ٣٥ الرقم ١١٨ و السند: محمد بن أحمد بن يحيى عن العباس بن معروف عن عباد بن كثير عن إبراهيم بن نعيم عن أبى عبد اللّه (ع) قال: سألته عن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها قال: تجوز شهادتهم.
و رواه في الفقيه ج ٤، ص ٣٧ الرقم ١١٨ طبعة النجف، و الرقم ٥٠٧٩ ص ٥٢، ج ٤ طبعة مكتبة الصدوق مرسلا بلفظ: و قد روى ان الزوج أحد الشهود و هذا الحديث المرسل بعد حديث نعيم بن إبراهيم الاتى.
[٢] كرواية زرارة رواها في التهذيب ج ٦، ص ٢٨٢ الرقم ٧٧٧، و ج ٨ ص ١٨٤ الرقم ٦٤٣ و الاستبصار ج ٣، ص ٣٦ الرقم ١١٩ طبعة النجف. و السند: أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن عيسى عن إسماعيل بن خراش عن زرارة عن أحدهما. هكذا في الاستبصار و ج ٨ من التهذيب، و في ج ٦ من التهذيب طبعة النجف: أحمد بن محمد بن عيسى عن إسماعيل عن خراش عن زرارة عن أحدهما.
و للشيخ حديث آخر في التهذيب ج ١٠، ص ٧٩ بالرقم ٣٠٦ و هو هكذا: عنه عن ابن محبوب عن نعيم بن إبراهيم (بتقديم نعيم على إبراهيم بعكس الحديث السابق منه) عن أبى سيار مسمع عن أبى عبد اللّه (ع) في أربعة شهدوا على امرأة بالفجور أحدهم زوجها قال:
يجلدون الثلاثة و يفرق بينهما و لا تحل له أبدا. و هو في الفقيه ج ٤ طبعة النجف ص ٣٧ بالرقم ١١٧ و في طبعه مكتبة الصدوق ج ٤، ص ٥٢، بالرقم ٥٠٧٨ و قبل المرسل المتقدم.
ثم قال ((قدّس سرّه)): قال مصنف هذا الكتاب (رحمه اللّه): «هذان الحديثان متفقان غير مختلفين و ذلك انه متى شهد أربعة على امرأة بالفجور أحدهم زوجها و لم ينف ولدها فالزوج أحد الشهود و متى نفى ولدها مع اقامة الشهود عليها بالزنا جلد الثلاثة الحد و لاعنها زوجها و فرق بينهما و لم تحل له أبدا لأن اللعان لا يكون إلا بنفي الولد» انتهى ما في الفقيه.
ثم مسمع هذا هو الذي روى في كامل الزيارة الباب الثاني و الثلاثين ص ١٠١ عنه انه لما ذكر جزعه على أبى عبد اللّه الحسين (ع) للإمام الصادق (ع) قال له الصادق (ع): اما انك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا و الذين يفرحون لفرحنا و يحزنون لحزننا و يأمنون إذا أمنا، إنك سترى عند موتك حضور آبائي لك و وصيتهم ملك الموت بك الى آخر الحديث).
ثم انك ترى الأحاديث الأربعة في اللعان مع كون أحد الشهود الزوج- في الوسائل الباب ١٢ من أبواب اللعان ج ٣، ص ١٩٧ طبعة الأميري، و ج ١٥، ص ٦٠٦ طبعة الإسلامية فالحديث الأول عن إبراهيم بن نعيم و السند فيه موافق لما بيناه أولا و هو بالمسلسل ٢٨٩٦٢، و الحديث الثاني و هو بالمسلسل ٢٨٩٦٣ خلط بين حديث أحمد بن محمد بن عيسى عن إسماعيل و قد عرفت انه في ج ٦ من التهذيب و اللفظ فيه: عن إسماعيل عن خراش و هو الصحيح كما ستعرف بعيد ذلك و بين حديث احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن عيسى عن إسماعيل بن خراش الذي قد عرفت انه في ج ٨ من التهذيب و ج ٣ من الاستبصار و ستعرف انه تصحيف و الصحيح إسماعيل عن خراش و لكن نسخة الوسائل في الطبعتين لم يفرق بين المصادر و نقله بلفظ إسماعيل بن خراش.
و الحديث الثالث و هو بالمسلسل ٢٨٩٦٤ عن ابن محبوب عن إبراهيم بن نعيم و قد عرفت ان حديث ابن محبوب في ج ١٠ من التهذيب و رواه عن نعيم بن إبراهيم و كذا في الفقيه الرقم ١١٧ ص ٣٧ ج ٤ طبعة النجف و ص ٥٢ الرقم ٥٠٧٨ طبعة مكتبة الصدوق و قد رواه في الوسائل عن إبراهيم بن نعيم و هو اشتباه فإن المروي عن ابن محبوب انما هو نعيم بن إبراهيم.
و الرابع بالمسلسل ٢٨٩٦٥ عن الصدوق مرسلا الذي قد عرفت انه الحديث الأول من الباب الا انه نقله في الفقيه مرسلا و قد عرفت انه في طبعه النجف بالرقم ١١٨ و في طبعه مكتبة الصدوق بالرقم ٥٠٧٩.
ففي الوسائل اثنان من الغلط: الأول نقل الحديث بالمسلسل ٢٨٩٦٣ عن الشيخ مطلقا عن إسماعيل بن خراش مع ما عرفت من الاختلاف في نسخ التهذيب و الاستبصار.
و الثاني نقل الحديث بالمسلسل ٢٨٩٦٤ عن ابن محبوب عن إبراهيم بن نعيم مع أنه عن نعيم بن إبراهيم و العجب كون الطبعتين طبعة الأميري و الإسلامية متطابقتين و يبعد وقوع مثل هذا الاشتباه عن مثل المحدث المتبحر الامام المحقق العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي- (قدّس اللّه روحه)- فلعل الاشتباه وقع من الناسخين.
و قد تصفحت المواضع المناسبة الأخر و لم أر تعرضه للأحاديث الأربعة إلا في هذا الباب، فان كان النقص من قبل الحر المبرور المغفور فلا ألومه إذ الإنسان محل الخطاء و النسيان شكر اللّه سعيه الجميل حيث أورثنا الأحاديث عن الأئمة الهدى بأحسن وجه و ترتيب و مع ذلك فالظن القوي عندي كونه من قبل الناسخين و اللّه أعلم بحقيقة الحال.
و اما في الوافي فقد روى حديث التهذيب عن ابن عيسى عن محمد بن عيسى عن إسماعيل عن خراش و قد عرفت أن السند في ج ٦ من التهذيب عن أحمد بن محمد بن عيسى عن خراش و في ج ٨ منه أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن عيسى عن إسماعيل بن خراش و في الاستبصار أيضا كذلك فيما طبع بالنجف كما في ج ٨ من التهذيب و لم يبين الاختلاف.
نعم ذكر ما نقلناه عن الفقيه في الجمع بين الروايتين هذا في الجزء ١٢ ص ١٤٥ و مع ذلك فالحق مع صاحب الوافي(قدّس سرّه) فان الظن القوي ان كلمة «بن خراش» تصحيف و الصحيح «عن خراش».
و إسماعيل الراوي عن خراش هو إسماعيل بن عباد و خراش مختلف في ضبطه فضبطه بعض خداش فقال الساروى في توضيح الاشتباه ص ١٤٥ الرقم ٦٣٢: انه على زنة كتاب و قال العلامة الوحيد البهبهاني(قدّس سرّه) في حاشية منهج المقال ص ١٣٢ في كتب الاخبار خراش و خداش بالراء و الدال كليهما انتهى. و على اى فالذي يستفاد ممن روى عنه إسماعيل بن عباد خداش أو خراش بن إبراهيم الكوفي ان المناسب سردهما في الثقات.
و المصنف(قدّس سرّه) كان قد تتلمذ على العلامة شيخنا البهائي- أعلى اللّه مقامه- فكان متأثرا من افكاره و قد حكم(قدّس سرّه) في ص ١٩٨ من حبل المتين بضعف حديث الشيخ عن الرجل في قبلة المتحير ترى الحديث في الوسائل الباب ٨ من أبواب القبلة الحديث ٥ و هو في طبعه الأميري ج ١، ص ٢٥٦ و في طبعه الإسلامية ج ٣، ص ٢٢٨ المسلسل ٥٢٣٧ و هو في التهذيب طبعة النجف ج ٢، ص ٤٥ الرقم ١٤٤ و ١٤٥ و في الاستبصار ج ١، ص ٢٩٥ الرقم ١٥٠٨ و ١٠٥٩ و الحديث في الوافي الجزء الخامس ص ٨٥ عن التهذيب و الاستبصار و فيه بعد نقل الحديث بيان لطيف من شاء فليراجع فإنه بيان دقيق حقيق بالمراجعة و يطول بنا الكلام لو شئنا نقله.
و قد عمل الأصحاب بهذه الرواية في قبلة المتحير انظر الذكرى للشهيد الأول(قدّس سرّه) و ليس للذكرى أرقام الصفحات حتى نشير اليه فلا وجه لحكم المصنف بضعف حديث خراش عن زرارة في بحثنا هذا، مع ان المصنف لم يتعرض لحديث ابن محبوب عن نعيم بن إبراهيم المروي في الفقيه ج ٤ بالرقم ١١٧ طبعة النجف و الرقم ٥٠٧٨ طبعة مكتبة الصدوق و التهذيب ج ١٠، بالرقم ٣٠٦ و كل الرجال في هذا الحديث ممن يصح الوثوق بهم.
و عندئذ فالأولى الحكم بتساقط الأحاديث من هذه الجهة و قد قوينا في الاخبار المتعارضة الحكم بالتساقط فالمرجع التوجه الى كلام اللّه المجيد و المفاد منه و ما يقتضيه عمومه أو إطلاقه.
و لقد أحسن في الخلاف ج ٣، ص ٤٦، المسألة ٤٩ من كتاب اللعان حيث استدل على قبول الشهادة إذا كان أحدهم الزوج بقوله فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ. الآية ١٥ من سورة النساء: و قوله وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدٰاءُ إِلّٰا أَنْفُسُهُمْ، و قوله: لَوْ لٰا جٰاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ و لم يفرق بين كون الزوج واحدا منهم أو لم يكن (ما نقلناه مفاد كلام الشيخ لا عين لفظه فلا تغفل) و اللّه أعلم بحقائق الأمور.
و بعد ما تحق لك اختلاف نقل الوسائل مع المصادر بمواضعه المختلفة و ان لم يكن الاشتباه عن العلامة المتبحر صاحب الوسائل (قدّس اللّه روحه) بل لعله كان من الناسخين فانى لاوصى الفقهاء العظام و العلماء الكرام ان لا يكتفوا عند الحكم في المسألة بمجرد مراجعة الوسائل قبل التنقيب في المواضع المتعددة من المصادر التي نقل عنها الوسائل و التحقيق العميق في لفظ الراوي و لفظ الحديث و هذا الإيصاء منى و ان كان أشبه شيء بالمثل المعروف في الفارسية (زيره بكرمان بردن و قطرة بعمان روان كردن است) و لكني خفت أن أكون مسئولا عند اللّه العزيز القهار ان كففت نفسي عن هذا التذكار، و ليس لي في هذا التذكار تعريض و لا اشكال على أحد و اللّه العالم بالاسرار على ما أقول شهيد. و ان تلقى أحد هذا الحد من الكلام منى إساءة أدب فانى اليه معتذر و المأمول منه قبول عذري و العذر عند كرام الناس مقبول.