مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٩٦

تعليلًا بالمشقّة الّتي بها علّل القصر في الأخبار و دلّ عليه ظاهر الاعتبار، فلا يكون تعليلًا بما لا حقيقة له و لا تعليلًا بما لا يرفع الاستبعاد، و إنّما يلزم ذلك لو علّل القصر في البريد بنفس شغل اليوم كما مرّ تقريره. أمّا إذا اريد اللازم فلا، إذ حاصل التعليل حينئذٍ وجوب القصر في البريد، لأنّ الغالب فيه الرجوع، و الغالب مع الرجوع حصول المشقّة الّتي هي علّة القصر، فعلّة القصر فيه هي العلّة المتقرّرة في غيره، و هي علّة تقريبية يجوز تخلّف المعلول عنها، و لا يمنع ذلك من صحّة التعليل بها.

و لعلّ هذا مراد من حمل التعليل هنا على التقريب و إن لم يكشف عن حقيقة المراد فيندفع عنه ما تقدّم من الإيراد، فإنّ التعليل بهذا التقريب صحيح لا غبار عليه، و به يرتفع استبعاد السائل، و تظهر النكتة في استعمال «إذا» و صيغة الماضي و عطف الرجوع على الذهاب المتحقّق، فإنّ الرجوع أمرٌ متوقّع غالب الحصول للمسافر خصوصاً في سير البريد و نحوه.

و قد صرّح بعض المحقّقين [١] بأنّ المراد بالجزم في «إذا» ما يعمّ الظنّ فيهون الخطب فيها، مضافاً إلى ما هو معلوم من كثرة استعمال كلّ من أدوات الشرط في معنى غيره بحيث لم يبق معه الوثوق بتعيين ما قالوه.

و أنت خبير بأنّ ذلك كلّه لا يدفع ظهور الحديث فيما قلناه، فإنّ ظاهره التعليل بنفس شغل اليوم لا بما يتفق معه من المشقّة، و الكناية على خلاف الأصل، و كذا حمل العلّة على التقريب، فإنّ الأصل فيها كما عرفت أن تكون مناطاً للحكم، و ظاهر الأدوات و ماضوية الفعل و العطف على المتحقّق هو تحقّق الرجوع و لا يستقيم إدارته في المعنى الكنائي لحصول التحقّق الظاهر و ظاهر الأكثر و صريح جملة لحوق الظنّ بالشكّ فيستعمل فيه «إن» دون «إذا» و يدلّ عليه أنّ «إن» أكثر أدوات الشرط دوراناً في الكلام، فلو خصّت بالشكّ بمعنى تساوي الطرفين من دون ترجيح أصلًا لكان تخصيص للكثير السائر بالقليل النادر.


[١] منهم السيّد مير شريف في حاشيته على المطوّل: ص ١٥٤.