مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٩٥

اليوم بشغله ليومين إذا، رجع و نحو ذلك من الامور الباطلة الّتي لا حقيقة لها أصلًا. و لا يتفاوت الحال في ذلك بين أن تكون العلّة تحقيقية أو تقريبية، فإنّ التقريب إنّما يكون بالأمر المتقرّر الثابت كالتحقيق.

و منه يعلم أنّ ما في «المدارك [١] و الذخيرة [٢]» و غيرهما [٣] من أنّ التعليل في الحديث إنّما وقع على سبيل التقريب على الإفهام كما يشعر به إطلاق البريد في أوّل الكلام ليس بجيد، لأنّ الشيء الّذي لا حقيقة له يمتنع التعليل به، سواء قصد به التحقيق أو التقريب، و العلل التقريبية كالتحقيقية في وجوب تحقّق العلّة في الجملة، و إنّما تفاوتها في جواز التخلّف كما في تعليل غسل الجمعة بالنظافة و القصر في السفر بالمشقّة و نحو ذلك، و الأصل في العلل أن تكون مناطاً للحكم وجوداً و عدماً، و من ثمّ كان منصوص العلّة حجّة، فلا يصار إلى التقريب إلَّا لضرورة و لا ضرورة هنا، إذ لا مانع من إناطة القصر بشغل اليوم كما قال به معظم الأصحاب [٤].

و يمكن أن يقال: إنّ صدر الحديث قويّ الدلالة على الاكتفاء بالبريد، فإنّه قد دلّ بالإطلاق الواضح على أنّ البريد هو مسافة القصر رجع أو لم يرجع، و لو لم يستبعد السائل ذلك لقطع الإمام (عليه السلام) الكلام على ذلك، فكان كسائر الروايات الواردة في تحديد المسافة بالبريد، لكن لمّا جاء الاستبعاد منه تصدّى (عليه السلام) لرفعه بما ذكر من التعليل، و هو غير منافٍ لإرادة الإطلاق من الكلام الأوّل، لاحتمال أن يكون شغل اليوم فيه كناية عن المشقّة الحاصلة معه في الغالب، فيصير التعليل به


[١] مدارك الأحكام: في السفر ج ٤ ص ٤٣٧.

[٢] ذخيرة المعاد: في السفر ص ٤٠٦ س ١٩.

[٣] كالبهبهاني في المصابيح: في صلاة السفر ج ١ ص ١٥١ س ١٨ (مخطوط في مكتبة الگلپايگاني).

[٤] منهم الشيخ في المبسوط: في السفر ج ١ ص ١٤١، و المحقّق في المعتبر: في السفر ج ٢ ص ٤٦٧، و العلّامة في تذكرة الفقهاء: في السفر ج ٤ ص ٣٦٩ ٣٧٠.