عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٣١٩ - ١٧- باب نادر في ذكر مذاهب الذين خالفوا الفرقة المحقة في القول بالأئمة الاثنا عشر
صدقه، إذ العصمة لا تعلم بالحسّ، و لا تدرك من ظاهر الخلقة، و إنّما تعلم بخبر علّام الغيوب، المطّلع على الضمائر [١]، أو بدليله سبحانه على ذلك، و في عدم النصّ على محمّد من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أو من أبيه (عليه السلام) أو من أخويه (عليهما السلام) أيضا دليل على بطلان مقال من ذهب إلى إمامته.
و كذلك عدم الخبر المتواتر بمعجز ظهر عليه عند دعوته إلى إمامته (إذ لو كان، لكان ادّعاؤها برهانا) [٢] على ما ذكرناه مع أن محمّدا رحمة اللّه عليه لم يدّع قطّ الإمامة لنفسه، و لا دعا أحدا إلى اعتقاد ذلك فيه، و قد كان سئل عن ظهور المختار و ادّعائه عليه أنّه أمره بالخروج و الطلب بثأر الحسين (عليه السلام)، و أنه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته عن ذلك و صحّته، فأنكره و قال لهم: «و اللّه ما أمرته بذلك لكني لا ابالي أن يأخذ بثأرنا كل أحد، و ما يسوؤنا أن يكون المختار هو الذي يطلب [٣] بدمائنا»، فاعتمد السائلون له على ذلك و كانوا كثرة قد رحلوا إليه و لهذا المعنى بعينه- على ما ذكره أهل السير- رجعوا، فنصر أكثرهم المختار على الطلب بدم أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) و لم ينصروه على القول بإمامة أبي القاسم رحمة اللّه عليه، و من قرأ الكتاب و عرف الآثار و تصفّح الأخبار، و ما جرى عليه أمر المختار، لم يخف عليه هذا الفصل الذي ذكرناه، فكيف يصحّ القول بإمامة محمد رحمة اللّه عليه مع ما وصفناه؟
فأمّا ما تعلّقوا به فيما ادّعوه من إمامته من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) له يوم البصرة و قد أقدم بالراية «أنت ابني حقّا» فإنّه جهل منهم بمعاني الكلام و عجرفة [٤] في النظر و الحجاج، و ذلك أن النص لا يعقل من ظاهر هذا الكلام، و لا من فحواه على معقول أهل اللسان، و لا من تأويله على شيء من اللغات، و لا فصل بين من ادّعى أن الإمامة تعقل من هذا اللفظ، و أنّ النص بها يستفاد منه و بين من زعم أن النبوّة تعقل منه و تستفاد من معناه، إذ تعرّيه من الأمرين جميعا على حدّ واحد.
فإن قال منهم قائل: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا كان إماما و قال لابنه محمد «أنت ابني حقّا» دلّ بذلك على أنه إنّما شبّهه به في الإمامة لا غير، فكان هذا القول منه تنبيها على استخلافه له على حسب ما بيّناه [٥].
[١]- م: السرائر.
[٢]- ع و ب: ان لو كان ادّعاها برهان.
[٣]- ع: يأخذ.
[٤]- «العجزفة: جفوة في الكلام» منه (قدس سره).
[٥]- ع و ب: ما رتبناه.