عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٢٨٢ - ٧- باب نصوص الصادق
فقال: و كيف أعبد من لم أره، لم تره العيون بمشاهدة العيان و لكن رأته العقول بحقائق الإيمان، و إذا كان المؤمن يرى ربّه بمشاهدة البصر، فإنّ كل من جاز عليه البصر و الرؤية فهو مخلوق، و لا بدّ للمخلوق من الخالق، فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا، و من شبّهه بخلقه فقد اتّخذ مع اللّه شريكا، ويلهم أو لم يسمعوا قول اللّه تعالى «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» [١].
و قوله: «لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا» [٢] و إنّما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سمّ الخياط، فدكدكت الأرض و صعقت الجبال «فخرّ موسى صعقا» أي ميتا «فلمّا أفاق» و ردّ عليه روحه «قال سبحانك تبت إليك» من قول من زعم أنّك ترى، و رجعت إلى معرفتي بك أنّ الأبصار لا تدركك «و أنا أوّل المؤمنين» و أوّل المقرّين بأنك ترى و لا ترى و أنت بالمنظر الأعلى.
ثم قال (عليه السلام): إنّ أفضل الفرائض و أوجبها على الإنسان معرفة الربّ و الإقرار له بالعبودية، و حدّ المعرفة أن يعرف أنّه لا إله غيره و لا شبيه له و لا نظير [له]، و أن يعرف أنّه قديم مثبت، موجود غير فقيد، موصوف من غير شبيه و لا مثيل ليس كمثله شيء و هو السميع البصير.
و بعده معرفة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الشهادة [له] بالنبوة، و أدنى معرفة الرسول الإقرار بنبوّته، و أنّ ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك من اللّه عزّ و جلّ.
و بعده معرفة الإمام الذي به يأتمّ، بنعته وصفته و اسمه في حال العسر و اليسر، و أدنى معرفة الإمام أنّه عدل النبي- إلّا درجة النبوّة- و وارثه، و أنّ طاعته طاعة اللّه و طاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و التسليم له في كل أمر و الردّ إليه و الأخذ بقوله.
و يعلم أنّ الإمام بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) و بعده الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم أنا، ثم [من] بعدي موسى ابني و بعده علي ابنه، و بعد علي محمد ابنه، و بعد محمد علي ابنه، و بعد علي الحسن ابنه، و الحجّة من ولد الحسن.
ثم قال: يا معاوية جعلت لك أصلا في هذا فاعمل عليه، فلو كنت تموت على ما كنت عليه لكان حالك أسوأ الأحوال، فلا يغرنّك قول من زعم أن اللّه يرى بالبصر.
[١]- الأنعام: ١٠٣.
[٢]- الاعراف: ١٤٣.